إحياء واسترداد لرخصة الإبراد

هُناك سُنن مَهجورة، وأمُور مُستحبّة في الإسلَام لابدّ مِن إعَادتها، خَاصَّة وأنَّها تُعطي وتُظهر جَانب التَّسامح في الإسلَام، ومِن ذَلك “صلَاة الإبرَاد”، التي وَردت عَن النّبيّ -صلّى الله عَليه وبَارك-..!
وقَبل أن نَدخل في تَعريف “صلَاة الإبرَاد”، إليكُم هَذا الخَبر -الذي نُشر في صحيفَة اليَوم بتاريخ 14/7/2014-: (أجَاز مُدير إدَارة الأوقَاف والمسَاجد؛ والدَّعوَة والإرشَاد بالأحسَاء، الشَّيخ “أحمد الهاشم” في تَصريح لـ جريدة “اليوم”، تَأخير صَلَاة الظُّهر في المسَاجد حتَّى قبيل صَلاة العَصر، وذَلك بسَبَب ارتفَاع درجَات الحرَارة التي تَجاوزت 45 دَرجة، وأضَاف “الهاشم”: إنَّ هَذا الأَمر يَرجع إلَى جَمَاعة المَسجد، واستَطاعتهم عَلى أدَاء الصَّلاة أوّل الظّهر، فإنْ شَقَّ عَليهم، فيَجوز لَهم الإبرَاد مَع حرَارة الشَّمس المُرتَفعة، مِثل مَا سيَتم عَمله في أَحَد مَسَاجد الأحسَاء، ونَفَى الشَّيخ “الهاشم” إرسَال خِطَابَات مِن مَكتب إدَارة المَسَاجد والإرشَاد بالأحسَاء؛ بإلزَام الأئمة بتَأخير صَلَاة الظّهر، حَيثُ إنَّ المَجَال فيهِ اجتهَاد للإمَام، ولا يَجب عَلينا تَقييده والتَّشديد فِيه، خَاصَّة في هَذا الشَّهر الفَضيل، فحرَارة الشَّمس تُؤثِّر عَلى الصيّام واحتيَاجهم للمَاء، وأكَّد أنَّ تَبكير الصّلاة أفضَل، لَكن النَّبي صلَّى الله عَليه وسَلّم قَال: “إذَا اشتدّ الحرّ فأبردوا بالصّلاة، فإنّ شِدّة الحرّ مِن فيْح جهنّم”)..!
أمَّا تَعريف “الإبرَاد” فهو تَأخير الظّهر في شدّة الحرّ؛ إلَى أن يَبرد الوَقت، ويَنكسر الوَهج..!
إنَّ مِثل هَذه “الفَضيلة” -وأعني فَضيلة الإبرَاد- يَجب أنْ نَستثمرها خَير استثمَار، طَالَما أنَّنا نَعيش في وَهج الحَرّ، ونَحتاج إلَى البرَاد والإبرَاد..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: لَا أَدري لمَاذا تَنْتَبه الأوقَاف؛ وتُضيِّق عَلى مَن يُحيون سنّة صَلاة الإبرَاد؟! في حِين تَغفل الأوقَاف عَن مُستخدمي مُكبّرات الصّوت؛ لغَير الأذَان والإقَامَة، مُخالفين بذَلك تَعاميم الوزَارة..!!! 

افرحوا بالعيد رغم أنف كل عنيد

في كُلِّ سَنَة أكتُب عَن أَهمّية العِيد، ووجُوب الفَرَح فِيهِ، ومَن لَم يَستطع الفَرَح؛ فالوَاجِب عَليه أنْ يَتفَارَح، حتَّى يَتمَاشى مَع المَجموع، ويَنسجم مَع الجَمَاعَة، ويَتوافَق مَع المُجتمع..!
مُنذ سَنوَات وأنَا أُكرِّر نَفس هَذه الوَصيّة، لأنَّني لَاحظتُ طَائفة غَير قَليلة مِن الأُدبَاء، والمُفكِّرين وكِبَار السّن، حِين يَأتي العيد، وتَسأله: كَيف أنتَ والعيد؟ فيَقول لَك بَعد أنْ يَتنفّس تَنفُّساً عَميقاً، ويَنفث الهوَاء المَشحون بالتَّشاؤم؛ في الفَضَاء الذي أمَامَه.. يَقول: “عِيد بأيّة حَال عُدت يَا عِيد”..؟!
إنَّ هَذا الشَّطر مِن بَيت قَاله المُتنبِّي قَبل أَلف سَنَة، ومَازَال المُثقَّف التَّعيس يُعيده ويُكرّره، مُوهماً نَفسه أنَّه يَحمل جرَاحَات المُتنبِّي، وآلَامه، وعَذَابَاتَه..!
إنَّ روح التَّشاؤم والإحبَاط والاكتِئاب، التي تُلازم المُثقَّف في كُلِّ عِيد، قَضيّة غَير مُبرّرة، وغَير مَقبولة، ولا يَليق بنَا أن نَستورد أحزَان المُتنبِّي في عِيده؛ لنَصبغ بهَا أعيَادنا، لأنَّ لكُلِّ عِيد حَالته، ونَحن نَعيش في أحسَن الحَالَات..!
إنَّني أُحب شَاعرنا الكَبير “حسن صيرفي”، وأَحترم شِعره، وكُنت كُلَّما زُرته؛ قبَّلتُه بَين عَينيه، ولَكنَّني سأُخَالفه -رَحمه الله- في نَظرته للعِيد حِين قَال:
يَا عِيدُ عُدْتَ كَسَائِرِ العَادَاتِ
سُنَنُ الحَيَاةِ رَتِيبَةُ المِيقَاتِ
قَدْ كُنْتُ أَفْرَحُ فِي الطُّفُولَةِ عِنْدَمَا
تَأْتِي وَأَنْتَ اليَوْمَ مِنْ نَكَبَاتِي
نَعم إنَّني أختَلف مَع العَم “حسن”، وسأَقول لَه: سَمعنا وعَصينَا، لأنَّ العيد حَالَة سَعادة لَا عَادة..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَا قَوم، افرَحوا بالعيد واستَمْتَعوا بِه، فالعُمر مَرَّة وَاحِدة، ومَن يَدري؛ هَل سنَعيش لنُدرك العِيد القَادِم أَم لَا؟ فالعِيد سَعادة، والفَرح بِه نَوعٌ مِن العبَادة، لذَلك قَررتُ أنْ أتزوَّج السَّعادَة..!!!

الأهواء تفضحها الأزياء

بين فترة وأخرى تظهر قضية الأزياء؛ على اعتبار أنها كائن حي؛ تجري عليها سنن الكون من القدامة والحداثة، والأصالة والمعاصرة، وهذا ما القلم بصدد الحديث عنه.
في بريطانيا، هناك عشرات الكتب التي تقول: (You are what you wear)، والمعنى أنك عبارة عمّا تلبس.
ومن الناحية العربية، تقول الدكتورة “ثريا نصر” في كتابها الكبير (تاريخ أزياء الشعوب) بأن “الزي يتحدد لأي شعب من الشعوب؛ تبعا للمناخ والموارد الطبيعية المحلية المتاحة لصنع هذا الزي، ثم تتدخل عدة عوامل دينية واجتماعية واقتصادية، وكذلك البراعة الفنية”.
ولكن هل قالت الدكتورة “ثريا” كل الحقيقة؟ لا يبدو ذلك، فما لم تقله الدكتورة: أن العالم -الآن- يتوحد على طريقة غير مسبوقة، فالمصانع عالمية، والاستهلاك كوني، وما يصنع في انجلترا -مثل “Burberry”- يلبسه أثرياء وثريات السعودية، وما يصنع في المغرب -بوصفه زيا رسميا- يلبسه السعوديون بوصفه ملابس منزلية تلبس “وقت الراحة والنوم”.
سيدي القارئ.. يكفي أن تعلم أن ثياب الدفة والأصيل وغيرهما؛ تصنع في غير أوطان مستهلكيها، الأمر الذي يؤكد أن ما يلبسه القوم؛ هو “لباس البيئة وليس لباس العقيدة”.
ولو نظرنا إلى الشعوب الأوروبية، لوجدنا أنها توحدت في الأزياء، وأبقت ملابسها التقليدية “علامة فارقة”؛ تُلبس أيام المهرجانات والاحتفالات الوطنية، بوصفها “شاهدا تاريخيا” على النمو والتغيير.
وقد أكد علماء الأنثروبولوجيا الثقافية مرارا وتكرارا –كما تقول الدكتورة ثريا- أن الثقافة المحلية مسؤولة عن الجزء الأكبر من محتوى أي شخصية، وكذلك هي –أيضا- مسؤولة عن الجزء الأكبر من المظهر الخارجي للشخصية، حين تبرز شيئا معينا لاعتبارات دينية.. مثل اللحية عند المسلم، والصليب عند المسيحي، والطاقية عند اليهودي.. الخ.
ولله ما أجمل قول المفكر “محمود عباس العقاد” حين كتب جملته المشهورة: “ملابسنا تُحدّدنا”، فالصعيدي تفضحه ملابسه، واليمني تنادي عليه جنبيته، والسعودي يكشف سره شماغه “وغير ذلك من الملابس”، والكردي تسميه عمامته، والاسكتلندي موسوم بسراويله، والسوداني بثوبه الذي يقع على شارعين كأنه “فيلا لأحد الأثرياء”.. وهكذا.
في النهاية أقول: يا قوم، متى نعرف أن الملابس هم مشترك..؟! ولا يعتقد أحد أنها قضية تافهة، بل أمرها عظيم، وإن كان الكثير يرى أنها ليست أكثر من ترف محدود صغير.

تفجير الديناميت في أعداء الإيتكيت

تُحَاول هَذه الزَّاوية أنْ تَكون مَنَارة للكَلَام، وشُعَاعاً يَرسم بَعض “الإتيكيت”؛ لطَريقة تَعامُل النَّاس في كُلِّ شَيء، مِن الطَّعام إلَى السَّلام، ومِن السَّلام إلَى الطَّعام..!
إنَّ المُتَابع لشَأن الدَّعوَات و”العَزايم” في السّعوديّة، يُدرك أنَّنا بحَاجَة مَاسة إلَى تَعلُّم الكَثير مِن الآدَاب، التي هي عِند الأُمَم الأُخرَى مِن الأسَاسيّات والأوّليات والبَديهيّات.. وهَاك بَعضاً مِن الصّور التي يَجب أنْ نَتعلَّمها:
الصّورة الأُولَى: تَكون مَع قَوم وأنتُم عَلى طَعَام، ثُمَّ يَدخل عَليكم أَحَد، ويَرْغَب في السَّلام أثنَاء أَكل الطَّعام، حِينها يَقوم القَوم للسَّلام عَليه، وأَيديهم مُلطّخة بالأَكل والزّفَر والخُبز، كَما يُصاحب ذَلك نَثر وكَبّ بَعض الأوَاني التي عَلى المَائِدة، وكُلّ هَذا بسَبَب السَّلام، وَقتها تَذكَّرتُ جُملة فَيلسوفنا “عبدالرحمن المعمّر” لمّا قَال: (إذَا كَانت هَذه الصّحون المُتَطايرة، وهَذه الفَوضَى مِن أَجل السَّلام، فمَاذا ستَكون نَتيجة الحَرب)..؟!
الصّورة الثَّانية: تَكون عَلى مَائدة الإفطَار في رَمضَان، في حَفلٍ عَام، ثُمَّ يَأتي أحدُهم مِن خَلفك، وأنتَ جَالس عَلى الكُرسي، ويَحضنك مِن الخَلْف، ويَقول لَك: “هَل تَسمَح لِي أنْ أُسلِّم عَليك”؟ غَير آبهٍ أو مُفكِّر بأنَّ الوَقت وَقت إفطَار، وأَكل وشُرب، والحُمد لله الذي أطعَمْنَا وسَقَانا بَعد طُول صيَام وعَطَش..!
الصّورة الثَّالثة: تَكون مُنسجماً مَع مُبَارَاة فَريقك، ومُركِّزاً عَليها، ومَع ذَلك يَتّصل بِك الأصحَاب والأصدقَاء، غَير مُقدِّرين عَلاقتك بفَريقك، وأنَّك لَا تَرغب في استقبَال الاتّصَالات في وَقتِ المُبَاريات، ومِن الغَريب أنَّ المُتّصل لَا يُريد شَيئاً ضَروريًّا، وإنَّما يُريد أن يَقول لَك إنَّ الحَكَم غَير عَادل، أو إنَّ المُهَاجم الفُلاني ضَيّع الهَجمَة الفُلانية، أو إنَّ المُدرِّب لَم يُوفَّق في اختيَار التَّشكيلة..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَا قَوم، إنَّ السَّلام فَضيلة سَامية، فلا تَجعلوها في الأوقَات الحَرِجَة، واعلَموا أنَّ أَهل الذّوق يَقولون: “لَا سَلام عَلى طَعام”، كَما يَجب عَليكم أنْ تَتخيّروا وَقت السَّلام، ووَقت الاتّصال..!!!

فضيلة الشر !

الثقافة –أي ثقافة- تُعطي المنتسبين لها سلوكيات ومبادئ وطرق تعامل، لا فرار من تأثيرها على هذه المجموعات، التي تؤمن بها وتُطبِّق تعاليمها.
ومن خلال التعامل مع العرب، قد يُدرك المرء بعض انعكاسات الثقافة العربية على العرب، بحيث يتأثرون بهذه الثقافة أحيانا في الجانب السلبي، وبعض الأحايين في الجانب الإيجابي.
خذ مثلا هذه الحالة، عندما تتعامل مع العربي بلطف وطيبة وذوق وأخلاق، يسخر منك في غالب الأحيان، وقد يعتبرك ضعيف الشخصية، وهذه “سمة أكثر العرب”، وقد تكون متوفرة في “الأجناس الأخرى من غير العرب”، ولكنني –كالعادة- معني بقومي، ليقيني أن في كل أمة هناك “عشرات العرفج”؛ الذين يُسلِّطون الضوء على “الخصائص المعتمة في النفس المظلمة”.
وقد علَّمنا المسيح -عليه السلام- التسامح؛ قائلا: “إذا صفع أحدهم خدك الأيمن؛ فاعطه الأيسر أيضا ليصفعه”.
ولكن الملاحظ أن الصافع لا يكتفي “بالخدين”، بل يتمادى إلى “الركل” و”الشلوت”، و”حَش الركبة”.
لذا يبدو منهج التسامح والطيبة؛ مُحرِّضا على المزيد من “الاعتداء”، وكما يقول أهيل الحجاز –عليهم شآبيب الرحمة- “سكتنا له، دخل بحماره”.
لهذا.. لماذا لا نجرب ما قاله الشاعر المهجري:
والشر إن تلقه بالخير، ضقت به
ذَرعَا، وإن تلقه بالشر يَنحَسم!
ويعضد هذا ويسانده قول أهل الحجاز -أيضا-: “البِس يحب خنّاقه”، بمعنى أن العربي متى ضغطت عليه زاد حبه، بل و”احترامه لك”.
لقد نصحني شيخنا “أبوسفيان العاصي” قائلا: (اعلم –رحمك الله- أن العربي مثل السُستة أو مساعدات السيارة، يجب أن تضغط عليه دائما، وإلا قفز على وجهك)، لأن العربي ورث كل الشرور التي انتهجتها البشرية، ثم طعّمها بنكهة الشر العربية، التي يُسمِّيها شيخنا “أبوسفيان العاصي” بـ(عَورَبة) الشر، التي أسَّس مذهبها شاعرنا الكبير “أبوفراس الحمداني”، ذلكم الشاعر الذي كان مقسوما بين أعمامه العرب، وأخواله الروم، فقال:
لإن خفت من أخوالي الروم مرة
توجست من أعمامي العرب أربعا
في النهاية أقول: إن التسامح يبعث على التمادي، خاصة عند أولئك الذين لا يُفرِّقون بين “تسامح الضعيف”، و”تسامح المقتدر”، وقديما قيل: “مَن أَمن العقوبة أَسَاء الأدب”.