عمِّي حسين رحمه الله

جرت العادة أن يبكي الناس، ويرثوا المشاهير والأمراء، والوزراء والكُبراء.. ولكن،  كيف إذا مات لك قريب، وهو صاحب فضل عليك، وعلى مئات الناس غيرك، ولا يعرفه إلا أقرباؤه و معارفه و طلابه و طالباته؟

لهذا سأكسر هذه القاعدة، وأكتب عن ابن عمّي وزوج أمي، الذي تربيتُ في بيته، وقد توفي هذا اليوم، وسيُصلى عليه بجامع محمد بن عبدالوهاب ببريدة، بعد صلاة التراويح و سيكون  العزاء في المقبرة .

إنه  عمّي حسين العرفج –رحمه الله-، المربّي الكبير، والمعلّم القدير، الذي ينطبق عليه المثل القائل: “الأب هو من يربّي، لا من يُخلّف”، لذلك ، أقول: إنّ عمّي حسين هو الوالد الذي ربّاني مع أبنائه ، وتعبَ عليّ ، بعد والدتي حفظها الله وأمدّ في عمرها.

عمّي حسين –رحمه الله- كان رجلاً مكافحاً طموحاً، اعتدى عليه الجُدري في طفولته، وسلب نظره، ليصبح كفيفاً، يرى بنور البصيرة، لا بنور البصر.. هذا العمى لم يمنعه، بل استمرّ في حياته، وتعلّم، وشقّ طريقه بكل تعب، حتى تخرّج من كلية الشريعة بالرياض عام 1973م – 1393هـ، ثم تعيّن مدرّساً للطالبات، وأخذ يعلّم القرآن وموادّ الشريعة للطالبات لأكثر من ربع قرن، حيث تخرّج على يديه آلاف الطالبات من مدارس الثانويات في المدينة المنيرة، والرّس، وعُنيزة، وبُريدة.

رحم الله العمّ حسين، فقد كان طموحاً، محباً للخير، صادقاً مع نفسه، ومع أبنائه، محباً لوطنه ومجتمعه، ينشر الخير أينما حلّ، ويزرع التفاؤل أينما ذهب.

إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا عم حسين لمحزونون.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. لله ما أعطى ولله ما أخذ، ولن نقول إلا ما يرضي ربّنا، فهو الرحمن الرحيم، الجواد الكريم.

نحسبُ العمّ حسين –والله حسيبه- من الأخيار، وقد جاءت منيته بعد أن صلّى التراويح يوم أمس، في ليلة الاثنين، وهي ليلة فضيلة، يترقّب الناس فيها ليلة القدر، وهذه كلها من بشائر الخير لعمّي الذي ربّاني، وربّى أجيالاً من أمثالي.

في النهاية أقول: اللهم ارحم العمّ حسين، وجميع موتانا، وارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، ولقد صدق الحقُّ –عزّ وجلّ- حين قال: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ).. ربّنا عظّم أجرنا، وارزقنا الصّبر والسّلوان، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

دعم الأجواد والكرام للأيتام

المُشَارَكَة في المَسؤوليّة الاجتمَاعيّة عَملٌ مُثمر، ويَجب عَلى الكُتّاب ألاّ يَكونوا بَعيدين عَنها، وعَن المُشاركة فِيهَا، مَتَى مَا جَاءت الفُرصَة، وسَنَح الوَقت..!
قَبل أيَّام سعدتُ وسررتُ وانشَرح صَدري؛ بدَعوة وَصلتني مِن جمعيّة “تَكافُل” لرعَاية أيتَام المَدينة المُنوّرة، والتي يَرأس مَجلس إدَارتهَا الأمير “فيصل بن سلمان”.. حِين جَاءت الدَّعوة “لَم أُصدِّق خَبَر”، وفَرحتُ بِهَا، خَاصَّة وأنَّني وصَديقي العَزيز “أبورَاكَان” – فَايز المَالكي؛ نُمثِّل أَهل الكِتَابة وأَهل الفَن، لذَلك سَعدنا بتَلبية الدَّعوَة، وذَهبنَا عَلى جنَاح السُّرعَة..!
كَان يَوم الأربعَاء المَاضي حَقًّا عُرسًا للأيتَام، حَيثُ بَدَأ التَّبرُّع لَهم، وبَدَأ عرّيف الحَفل يَسرد أسمَاء المُتبرِّعين، وأتَى في مُقدمتهم الأمير “فيصل بن سلمان”، ثُمَّ تَوَالَت الأسمَاء، الاسم تلوَ الاسم، حتَّى وَصَلْنا إلَى اسم “محمد بن نايف البدراني”، الذي تَبرّع هو ومَجموعة مَعه مِن رِجَال الأعمَال -جَزَاهُم الله خَيراً- بعشرين مليون ريَال للأيتَام..!
إنَّ سَرد الأسمَاء حَرّك الضّيوف في القَاعة، فانهَالت التَّبرُّعات لَحظة الحَفل، مِن هُنَا ومِن هُنَا، حتَّى وَصَلَ المَبلَغ إلَى 49 مليون ريَال.. ثُمَّ وَعَد الأمير -وهو يُغادر الحَفل- بأنْ يُوصله إلَى 50 مليون..!
إنَّ هَذا التَّنافُس بَين أَهل الخَير والكَرَم؛ جَعل التَّبرُّعَات تَتوَالى، حتَّى وَصلنا إلَى هَذا الرَّقم الجيّد، الذي لَم تَصل إليهِ الجَمعيّة عَبر تَاريخها، حَسب عِلمي..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَجب أنْ أَشكُر صَديق الإعلَاميين الأمير “فيصل بن سلمان”، الذي رَحّب بصَديقي فَايز وبِي تَرحيبًا حَارًّا، وجَعَلَنَا سُفرَاء لأيتَام المَدينَة، كَمَا أَشكُر سموّه لأنَّه حَرّك النَّاس للتَّبرُّع، واستَغلّ صَدَاقته ببَعض رِجَال الأعمَال لِكَي يَتبرّعوا..!
أتمنَّى أنْ يَدوم مِثل هَذا العَمَل، وأنْ نَرَى المَبلغ مُضَاعفًا في العَام المُقبل، فأَهل الخَير كَثيرون، والأيتَام يَستحقّون العَطَاء الكَبير..!!! 

تفعيل خاصية الامتصاص

يعرف العُقلاء أن كثرة الضغط تؤدي إلى الانفجار، لذلك يجب دائماً أن لا نجعل الناس تصل لمستوى الاحتقان؛ الناتج عن قلة القنوات في تصريف الغضب، وامتصاص آهات النقد، وتوسيع دوائر الرأي المخالف.
يقول العلماء: إن السبب في انهيار سد مأرب؛ أنهم لم يضعوا فيه فتحات لتفريغ الضغط، حتى حانت لحظة تلك القطرة، التي قصمت ظهر السدّ، كما قصمت القشّة ظهر البعير من قبل.
كما أن من اشتغلوا في تعبئة الغاز -من أمثالي- يعرفون أنَّك إذا أردتَ أن تملأ “دافوراً” من “الدوافير” الزرقاء الصغيرة، يجب أن تفتح الصنبور الجانبي الصغير، لكي يخرج الهواء الذي في داخل “الدافور”.
كل هذه الأمثلة والشواهد أرادت أن تقول: إن التحفُّظ الكبير الذي تمارسه كثير من الصحف؛ في نشر المواد الصحفية النقدية لن يجدي نفعاً، بل من الأفضل لها أن تتحمّس لنشر كل مادة نقدية هادفة بنّاءة، تعتمد على المعلومة، وتتكئ على التوثيق، وإذا لم تأخذ الصحف على عاتقها هذه المسؤولية، فإن الناس سيتجهون إلى أحد اتجاهين: إما الانفجار –لاسمح الله- وهذا لا أحد يريده، أو اللجوء إلى الهزيل من الصحافة الإلكترونية التي تفتقر إلى أبسط مقومات المهنية، والمنهجية، والدقة، والمصداقية.
إن الصحافة -في الأساس- أُنشئت لتكون سلطة رابعة، ومعنى أن تكون سلطة رابعة هو أن تكون أداة رقابية على السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية.
في النهاية أقول: يا أيها المسؤولون عن الصحف، إنني أتفهم مواقفكم، وتحفُّظاتكم في النشر، ولكن مازلت أؤمن أن هناك نقداً إيجابياً ذكياً؛ لا تضيق به صدور المسؤولين، كما أنه يمتص الشحنات السلبية من عقول المواطنين.

تبيان ما اعوجّ من اللسان ..!

لقَد وَعَدَت هَذه الزَّاوية أنْ تَفتح صَفحة تَحقيق لُغَوي كُلّ أسبُوع، نَطرح فِيهِ بَعض الجُمل التي فِيها خَطأ، ونَكتب بجَانبها الجُملة الصَّوَاب.. نَفعل هَذا كُلّ أسبُوع للتَّذكير، لأنَّ الذِّكرَى تَنفع المُؤمنين والغَيورين واللُّغويين..!
فمِن الخَطأ أنْ تَقول: “هَذه أمُور رَئيسيّة”، والصَّحيح أنْ تَقول: “هَذه أمُور رَئيسَة”..!
كَما أنَّه مِن الخَطأ أنْ تَقول: “سَحب المُدّعي شكوَاه”، والصَّحيح أنْ تَقول: “استَردّ المُدّعي شكوَاه”..!
ونَظراً لأنَّنا أُنَاس –في الغَالِب- لا نُحسن صنَاعة الشُّكر والتَّقدير لمَن خَدمَنا، لذَلك مِن الخَطأ أنْ تَقول: “لَا شُكراً” لمِن قَدّم لَك مَعروفاً، والصَّحيح أن تَقول: “لَا، وشُكراً”.. فمَثلاً إذَا سَأَلَكَ أحدُهم: هَل تُريد مَاءً؟ فقُل لَه: “لَا، وشُكراً، بَارك الله فِيك”..!
وطَالما أنَّنا في عُطلة الصَّيف، وتَأتي سِيرة الخطُوط والمَطَارات، وكَثرة الشَّكاوى مِنهما، فمِن الخَطأ أنْ تَقول: “مَطار دُوَلي”، والصَّحيح أنْ تَقول: “مَطار دَوْلي”..!
وإذَا كُنّا نَعيش في عَصر التَّصحيح والمُرَاجعة، فمِن الخَطَأ أنْ تَقول: “صلّحت الأورَاق”، والصَّحيح أنْ تَقول: “صَحّحت الأورَاق”..!
ومِن الأسَاليب اللُّغوية الجَميلة –ونَحن نَعيش في عَصر حَافز- أنْ نُؤكِّد عَلى القَول بأنَّه: مِن الخَطَأ أنْ تَقول: “عَاطِل عَن العَمَل”، والصَّحيح أنْ تَقول: “عَاطِل مِن العَمَل”.. هَذا في مَذهب مَن يُفرّقون بَين الحرُوف، وللعِلْم فإنَّ هُنَاك مَذهباً آخَر يَقول: بأنَّ حرُوف الجَرّ أحيَاناً قَد تَنوب عَن بَعضها بَعضاً..!
ونَظراً لسَعَادتنا بإقَامة معرض للكِتَاب في مَدينة جُـدَّة، فمِن الخَطَأ أنْ تَقول: “سأَزُور معرَض جُـدَّة للكِتَاب”، والصَّحيح أنْ تَقول: “سأَزُور معرِض جُـدَّة للكِتَاب”..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَذه إطلَالَة لُغويّة، وعَمل كعَمل الجَاسُوس عَلى القَاموس، أتمنَّى أنْ تُؤدِّي هَذه الكَلِمَات الغَرَض، وتُؤنس العقُول والنّفوس..!!! 

في القاعات يجب أن نستمع إلى المحاضرات

يَحرصُ كَثيرٌ مِن النَّاس عَلى حضُور الأُمسيات الثَّقافيّة؛ التي تُقَام هُنَا وهُنَاك، نَظرًا لِمَا تَضمّه هَذه الفَعاليات مِن مَعلومات ودِرَاسات، وإشَارَات وتَلميحَات، وقَبل أيَّام أقَامت أمَانة جُدَّة أُمسية ومُسَامرة رَمضانيّة؛ تَحكي عَن تَاريخ جُدَّة، مِن خِلال رَجلين مِن أبنَاء جُدَّة البَرَرَة، ألَا وهُمَا: مُؤرِّخ جُدَّة المَعروف الدّكتور “عدنان اليافي”، والكَاتِب المَعروف “أحمد صادق دياب”، وقَد تَشرَّفتُ بإدَارة الأُمسية التي أُقيمت عَلى مَسرح مَدينة الطيّبات، التَّابِعَة لمَتحف “عبدالرؤوف خليل”..!
وبَعد الانتهَاء مِن الأُمسية، وَصَلَتني هَذه الرِّسالة مِن الكَاتِبة القَديرة “نهاد آل غالب”، تَطلب منِّي أن أَنشرها، لتَعمّ الفَائدة مِنها..!
تَقول الأُستَاذة “نهاد”: (الأُستَاذ القَدير “أحمد العرفج”، تَعلم أنَّ المَرأة السّعوديّة “الجَادّة” تُجَاهد وتُحَارب كي تَحضر أُمسية، أو نَدوة أو مُؤتمر.. إلخ، وأنَّها تَشعر بالإحبَاط؛ عِندَما لَا تَستفيد مِن حضُور تِلك الأُمسيات أو النّدوات، وذَلك لتَعدُّد مَصَادر الإزعَاج، هَذه نَغمَات الجوّال -في أَيدي النِّسَاء- تَصرخ مُردِّدة مُختَلف الأصوَات بين: “الله أكبر، وظَلموه، ومستنّياك”، نَاهيك عَن حَكَاوي بعض الحَاضرات لقصّة حيَاتها مَع جَارتها في الكُرسي، ضَاربة بمَقام المُتحدِّث واحترَامه عَرض الحَائِط، كَما أنَّ “طَقّ الحَنَك” يُشوِّش عَلى كُلِّ الحَاضِرَات والمُستَمِعَات.. إلَى آخر هَذه الأمُور المُزعِجَة..!
أمَّا مَا يَخصّ إزَعَاج الأنُوف، فإنَّني حِينَما أَدخل مُحاضرة؛ أَشعر بأنَّني دَاخِل مَعرض عطُور، وبهَذا تَأتينا نِصف الرَّوائِح المَوجودة في مَحلَّات بَيع العطُور، فيُصَاب الحَاضِرُون والحَاضِرَات بالغَثيَان الشَّديد، وقَلْب المَزَاج..!
يَا أُستاذ “أحمد”، بَلَغَ السَّيلُ الزُّبَي مِن هَؤلاء في كُلِّ مُنَاسبة، فأَرجو أنْ تَكتُب عَن هَذا المَوضوع..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: أَعْلَم أنَّ النِّساء يُحببن الثَّرْثَرَة وكَثرة الكَلَام، ولَكن آمُل مِنهنَّ -كَما تَطلب هَذه الرِّسَالة- أنْ يُحاولن التزَام الصَّمت في المُحَاضَرَات، وكُلُّنَا يَعلم أنَّ وَقت المُحاضرة هو سَاعة في الأسبوع، ووالله إنَّها لكَارثة كُبرَى؛ إذَا لَم تَستطع المَرأة أنْ تُغلق فَمها سَاعة في الأسبوع، لتَسْمَع مَا يُثري عَقلها وقَلبها..!!!