يوميات تتجمَّل بالدبلوماسيات

حِين تَغيب يَوميّاتي العَرفجيّة؛ تَتكاثَر الأسئِلَة وتَتواصَل الرَّسَائِل، مُطالِبَة إيَّاي -حَفظني الله ورعَاني- بسُرعة عَجنها وخَبزها وإنضَاجها، وبَعثها إلَى مُستحقيها مِن ذوي الدَّخل المَعرفي المَحدود، وهُم طَالبو الغِذَاء الفِكري، والرّغيف الثَّقافِي، لذَلك هَا هي اليَوميّات تَأتيكم عَلى طَبقٍ مِن جَمَر:
(الأحد)
احتَاروا في تَعريف الدّبلوماسيّة، فقَالوا: “الدّبلوماسيّة فَنٌّ تَستطيع بِهِ أنْ تَجعل الآخرين يُفسحون لَكَ الطَّريق”..!
(الاثنين)
حَاولتُ أنْ أَجِد تَعريفاً مُختلفاً للدّبلومَاسي، وقَد أسعَفتنَا المَعاجِم التي تَقول: “إنَّ الدّبلومَاسي هو رَجُلٌ يَستطيع أن يَقطع رَقبة خِصمه؛ دون أنْ يَستخدم السكِّين”..!
(الثلاثاء)
لَم أقتَنَع بتَعريف يَوم الاثنين للدّبلومَاسي، لذَلك بَحثتُ عَن تَعريفٍ آخَر، فوَجدتُ جُملة تَقول: “الدّبلومَاسي هو شَخص يَستطيع أنْ يُحدّثك عَن البَطَاطَا السَّاخِنَة طَويلاً، حتَّى تُصبح بَارِدَة”..!
(الأربعاء)
سأَكون صَريحاً وأَقول: إنَّني لَم أقتَنع بتَعريف اليَومين المَاضيين للدّبلومَاسي، فبَحثتُ عَن تَعريفٍ ثَالث، حتَّى وَجدتُ عِبَارة تَقول: “الدّبلومَاسي هو شَخص قَد يُحدِّثك وهو يَكرهك، فتَظنّ أنَّه يُحبّك”..!
(الخميس)
يَبدو أنَّني لَم أقتَنع بكُلِّ مَا سَبَق مِن تَعريفَات الدّبلومَاسي، لذَلك بَحثتُ فوَجدتُ جُملَة تَقول: “الدّبلومَاسي رَجُل يَستطيع أن يَصمت بعدِّة لُغَات”..!
(الجمعة)
أخيراً وَجدتُ تَعريفاً للدّبلومَاسي، واقتنعتُ بِهِ يَقول: “الرَّجُل الدّبلومَاسي هو مَن يُسيطر عَلى انفعَالَاته، فلَا يُظهر غَضبُه أَبداً”..!
(السبت)
بَعد كُلّ هَذا، دَعونا نَرجع إلَى الدّبلوماسيّة، والتي مِن المُحتَمل أنْ يَكون تَعريفها بَعد كُلّ هَذه اليَوميّات أنَّها: “فَنٌّ تَتمكَّن بِهِ أنْ تَقول أشيَاء، لَا يَعرف سوَاك مَا تَعني بالضَّبط”..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: مَا أجمَل ذَلك الفَيلسوف الذي سُئل: مَا هو الجيش؟ فقَال: “الجيش مَجموعة مِن الرِّجَال مُهمّتهم إصلَاح الأخطَاء التي يَرتكبها بَعض الدّبلومَاسيّين”..!!

عقلية الهامور ابتلعت ثقافة الطابور

عِندَما تَذهب إلَى مَكانٍ فِيهِ احتِشَاد بَشري؛ لتَحقيق غَرض مِن الأغرَاض، تَستَغرب مِن كميّة الفَوضَى التي تَستوطن هَذا الاحتِشَاد، حَيثُ لَا تَرتيب ولا انتشَار؛ لثَقَافة الطَّابور..!
اليَوم دَعونا نَتحدَّث عَن تِلك الثَّقَافة، رَغم عِلْمِي بأنَّ البَعض يَنظر لِمَا أكتُب بازدرَاء، لأنَّهم يُريدون رَأسي كَبيرًا جِدًّا لأكتُب عَن “مَلالي إيرَان”، و”الصِّرَاع عَلى السُّلطَة في لِيبيا”، و”مَا يَفعله تَنظيم دَاعِش”، و”عُزلة كوريا الشَّماليّة”.. لذَلك أَقول لمَن يَحتقرني: “فليُبارك الله لَكَ في تِلك المَوضوعات لتَكتُب عَنها، أمَّا أنَا فسَأتّجه للكِتَابة عَن ثَقَافة الطَّابور؛ التي أُعَاني مِنها كُلَّما ذَهبتُ للمَطَار، أو كُلَّما اتّجهتُ للمَخبز لشِرَاء الرّغيف؛ الذي يُعينني عَلى أدَاء الصّلاة”..!
حِين تَصطَف في الطَّابور -في السّعودية- تُذْهَل مِن عَدَد مَن يَتخطّون رِقَاب أَهل الطَّابور، وكُلٌّ مِنهم يَأتيك بعُذر، بزَعمه أنَّه الوَحيد الذي يَملك عُذرًا، ومَا عَلِمَ أنَّ كُلّ مَن في الطَّابور مِن أصحَاب الأعذَار..!
عِندَما أَذهَب لزيَارة أُمِّي -قمّصها الله ثيَاب العَافية- في بُريدة أستيقِظ في الصَّباح؛ لأشتَري شَيئًا مِن الخُبز والفُول، اللَّذين يُذكّرانني برَائحة الحِجَاز، وفي الطَّابور؛ أرصُد تَصرُّفَات وسلُوكيّات النَّاس المُتجاوزين لنِظَام الطَّابور، وسأذكُر لَكُم مَا شَاهدته في يَومٍ وَاحِد فَقط، فمَثلاً هَذا وَاحِد يَقفز عَلى الطَّابور، وحِين أُعَاتبه يَقول: “مَعليش أنَا مستَعجل ولَديَّ ارتبَاط هَام”، وكَأنَّنا نَحنُ لَسْنَا عَلى عَجلة مِن أَمرِنَا.. أمَّا ثَاني المُتجاوزين فيَأتي ويَقول: “هَل الدّعوة بالطَّابور؟ أو مْناهَب؟”، وهَذا رَددنا عَليه بأنَّ الدّعوة بالطَّابور.. وثَالث يَقفز مِن فَوق رُؤوسنَا، ويَأتي في المُقدِّمة، وحِين عَاتبنَاه قَال: “مَعليش أُسرتي في البَيت جَائِعَة”، وكَأنَّ أُسرنا مُتخمة بالامتلَاء والشَّبَع”..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: لَن أُطيل فِي الشَّرح، لأنَّ كُلًّا مِن القُرّاء والقَارئات لَه تَجارب مَريرة؛ فِي مِثل هَذه الأمَاكِن، لذَلك دَعونا نَنشُر ثَقافة الطَّابور؛ التي يَعيب عَلينا البَعض عَدَم تَمسُّكنا بِهَا، وقَد قَال أحد قَادة إسرَائيل: “لَن يَهزمنا العَرَب؛ إلَّا إذَا تَعلّموا كَيف يَصطفُّون في الطَّابور بشَكلٍ صَحيح”..!! 

الروايات المبهتة عن الإجابات المسكتة

مِن الوَاضِح أنَّ غَالبية الشَّعب السّعودي؛ يُعاني مِن نَقصٍ في الإجَابَات المُسْكتة، والرّدود المُفْحِمَة، التي تُقنع السَّائِل، وتقمع الصَّائِل والجَائِل..!
وحتَّى نَتدرَّب علَى الإجَابَات المُسْكِتَة، عَلينا أنْ نَرجع إلَى إجَابَات العُظمَاء والمُفكّرين، وكُتب التُّراث، حتَّى نَستلهم مِنها كَيف نَتفنّن في صيَاغة وابتكَار الجوَاب المُسْكِت؛ للسُّؤال المُلْفِت..!
وهَذه طَائِفَة عَطِرَة مِن الإجَابَات المُسْكِتَة، التي أرجو قرَاءتها بتَمعُّن، لنَعرف الآلية التي يُفكِّر بهَا أصحَاب الإجَابَات المُسْكِتَة، ودَعوني أبدَأ بالحيوَان قَبل الإنسَان، حَيثُ تَقول الرِّوَايَات أنَّ “خنفسانة” قَالت لأُمِّها: “يَا أُمَّاه، كُلّما مَررت بأحدٍ بَصَقَ عَليَّ، فقَالت أُمّها: هَذه تَعويذة حَسنَة لَكِ”..!
وإذَا انتَقلنَا مِن عَالَم الحيوَان إلَى عَالَم الإنسَان، فأمَامنا إجَابَة “أبي العيناء”، حَيثُ سَأله أحدُهم قَائلاً: “هَل بَقي في دَهرنا مَن يُلقَى”؟ -أي يَستحق أنْ نَلقَاه ونُقابله- فقَال “أبوالعيناء”: “نَعم يُلقَى في البِئر”..!
وإذَا تَركنا النَّثر سنَتّجه إلَى الشِّعر، حَيثُ يَقول أحَد الشُّعرَاء إجَابَةً عَلَى سُؤال حَبيبته التي سَألته: “لِمَاذا لَا أَرَى أوجَاع الحُب تَبري جَسدك”؟ فرَدَّ عَليها أنَّ “حُبّها في قَلبه دون أنْ يَعلَم الجَسَد”، وفي ذَلك يَقول:
وَقَائِلَة ما بَالُ جِسْمكَ لا يُرى
سَقِيماً وَأَجْسَامُ المُحِبِّينَ تَسْقَمُ
فَقُلْتُ لَهَا قَلْبي بِحُبِّكِ لَمْ يَبُحْ
لِجِسْمِي فَجِسْمِي بِالهَوَى لَيْسَ يَعْلَمُ
ومِن الإجَابَات المُسْكِتَة أيضاً، أنَّ رَجُلين كَانَا يَتحدَّثان عَن الطَّائِرَات، فأخَذ أحدُهما يُدافع عَنها، والآخَر يُعارض في ركُوبها لخَطرها، فقَال الأوّل: “مِمَّ تَخَاف؟ إنَّ أجلَك إذَا حَان، فإنَّك ستَموت أينمَا كُنت، في الجَو أو البَحر”، فقَال الثَّاني: “هَذا صَحيح، ولَكن مَاذا يَحدث لَو رَكبتُ الطَّائِرة وحَان أَجَل قَائدها”..؟!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَذه طَائِفَة مِن الإجَابَات المُسْكِتَة، وسأكتُب بَين فَترةٍ وفَترة مَا تَيسَّر لي؛ مِن تِلكَ الإجابات التي ألتَقطها مِن بطُون الكُتب، وصدُور العُلَمَاء، وأفخَاذ الصُّحف.. 

ثقافة الضرب ..

تاريخ العرب مع العنف طويل وعريض، وأقوى دليل على ذلك أنّ فعل ضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْباً يحمل الكثير من الرعونة والقسوة.
هذه المفردة لها أكثر من خمسين معنى، فبغض النظر عن كلمة الضرب التي تعني الاعتداء أو ضرب الرّقاب التي تدخل في المعارك، تدخل كلمة ضَرَبَ في كل شيء تقريباً.
فالتجارة مضاربة، والأسهم مضاربة، والطرب لا يكون إلا بالضرب على العود، أو ضرب الدفوف، والمثل يُضرب، ولاعبو التنس والبلياردو يستخدمون المضرب، وهناك الضارب في كرة الطائرة، الذي يعادل المهاجم في كرة القدم.
والمواعيد تُضرب، والخيام لها مضارب، والسفر ضرب لأكباد الإبل، والرياضيات فيها جدول ضرب، وضرب الحبيب مثل أكل الزبيب.
وفي عالم البناء هناك “ضرب البوية”، وفي عالم الاقتصاد هناك ضرب العملة، والأقوال تتضارب حين تخرج عدّة روايات لحدث واحد، والشهرة لها ضريبة، والجمارك أيضاً لها ضريبة، والنجاح له ضريبة أيضاً.
والأكل نوع من الضرب لذا يُقال:
اضْرِبْ بِخَمْسٍ وَلاَ تَأْكُلْ بِمِلْعَقَةٍ
إِنَّ المَلاَعِقَ لِلرَّحْمَنِ كُفْرَانُ
ولازلت أتذكر العمّ معتوق فراش المدرسة عندما كان يقول: أمس ضربنا كبدة عند الحرم.
وفي عالم “البعارين” إذا اقترب الجمل من الناقة في موعد غرامي يقال للفعل: ضرب، وفي عالم الدرس أول جملة تصافحك في كتب النحو تقول: ضرب زيداً عمراً، وإذا لم تحفظها فإنك ستتعرض للضرب.
ويقال: الضرب على الوتر الحساس حين يجد أحدهم مستمسكاً قوياً، كما يقال: الضرب تحت الحزام حين يُمارس أحدهم ضرباً فيه نوع من الخيانة والغدر، لأن الضرب تحت الحزام من المحظورات في عالم الملاكمة.
وفي عالم النصب والاحتيال يقولون: ضرب ضربته وهرب، إما تحسّراً على الأموال المنهوبة، أو تعجباً من الفهلوة الجديدة التي اكتشفها صاحب الضربة.
وفي حالة ندب الحظ والبكاء على اللبن المسكوب يقولون: ضرب أخماس بأسداس، أي ندماً على ما فات، أو بكاءً على ما ضاع.
ومن أغرب الشتائم التي سمعتها عند أهل الشام قولهم: “ضرّاب السّخن”، وأغلب الظن أنهم يقصدون بها “الحمّى”، حيث اختلف الرواة في تفسيرها، ولا عجب فهذا المثل شبيه الغرابة بمثل شامي آخر يقول: “بطّيخ مبسمر”!
وآخر اشتقاقات فعل ضرب وأكثرها رواجاً هذه الأيام “الإضراب”، وهو شكل من أشكال العصيان المدني، أجاد مواطنو الدول المتحضرة استخدامه في نيل مطالبهم بصمت، لكن العربان كعادتهم يلتقطون العنوان ليسّطروا تحته ما يريدون بالسواطير!
في النهاية
أقول :
يا أيها القوم لا تذهبوا إلى الحرب، فأنتم فيها ما دمتم تعيشون بالطول والعرض في جدول الضرب.

سوء الظن مدخل الفتن

هُنَاك مُصطلحات كَثيرة في الحيَاة؛ تَحتاج إلَى إلقَاء الضّوء، وإنَارة مَا كَان مُعتماً فِيها.. ومِن هَذه المُصطلحَات مُصطلح “سوء الظّن”..!
إنَّ هَذا المُصطلح عَائِم وشَائِك، وزئبقي الدَّلَالَة،لذَلك لا يَعرف الإنسَان مَتَى يَمتطي حصَان سوء الظّن، ومتَى يَركب حصان حُسن الظّن.. وقَد أكَّد العَرَب في أمثَالهم؛ أنَّ سوء الظّن مِن عَلامَات الإنسَان الذَّكي، حَيثُ قَالوا في أمثَالهم: “سوء الظَّن مِن عَلائِم الفِطَن”..!
وقَد اختَلف أَهل العِلْم في تَفسير سوء الظَّن، ومِن أشهَر الأقوَال مَا قَاله “المَاوردي” مِن أنَّ (سوء الظَّن هو عَدم الثّقة بمَن هو لَها أَهل) .وكَذلك قَول “ابن القيّم” أنَّ (سوء الظَّن هو امتلَاء القَلب بالظّنون السيّئة بالنَّاس؛ حتَّى يَطفح عَلى اللِّسَان والجَوارِح) .فِيما قَال “ابن كثير” أنَّ (سوء الظَّن هو التّهمة والتخوُّن؛ للأهل والأقَارِب والنَّاس في غَير مَحله)..!
ونَظراً لأهميّة المَوضوع، فلابُد مِن استحضَار القُرآن الكَريم، بصِفتهِ أعظَم النّصوص دَلَالة، وأَصدقهَا وضُوحاً، حَيثُ يَقول الله -عزّ وجلّ- في سورة الحُجرَات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)..!
والآيَة هُنَا لَا تنفي الظَّن، بَل تَعتبر اجتنَاب الكَثير مِنه؛ سَلَامة مِن بَعض الظَّن الآثِم، والقَليل مِنه حَق، وهو مَوجود بَين النَّاس عَلى كَافة مُستويات تَعاملاتهم..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَا قَوم، إنَّ الظَّن وسوءه وحسنه يَرجع إليكُم، ومِن المُستحيل إعطَاء وَصفَة مَعرفيّة للإنسَان، ومتَى يَجب أن يُسيء الظّن بالآخرين، ومَتَى يَجب أن يُحسنه. فالأمر يَرجع لَكُم، ولَكن لَو سَألتموني، فأنَا دَائماً إلَى حُسن الظّن أقرَب..!!!