يا قوم أفتوني ولا تفتنوني ..

بَعض النَّاس لَدينا تُحبّ الإرشَاد والتَّوجيه وإسدَاء النّصَائِح، بَل ويَتطوَّر الأمر إلَى أكثَر مِن ذَلك، لنَجد لَديهم هَوساً ولَهْفَة في إصدَار الفَتَاوَى.. وحتَّى لا أَظلم هَذه الشَّريحة مِن المُجتمع، أو أَفتري عَليها، قمتُ بإجرَاء تَجربة عَلى النَّحو التَّالي:
قَبل أيَّام طَرحتُ سُؤالاً عَلى شَكل تَغريدة أقول فِيهِ: (عِندي سُؤال وأحتَاج إلَى فَتْوَى: كُلَّما سَكنتُ في فُندق، استَوليتُ عَلى الأقلَام والأورَاق الصَّغيرة؛ التي في غُرفتي، وأفعَل هَذا كُلّ يَوم، حتَّى يُحضروا لِي المَزيد.. فمَا حُكم ذَلك؟ أَفتُوني مَأجورين)..!

بَعد نَشر هَذه التّغريدة -التي أبحَث مِن خِلالها عَن إجَابة مِن أَحد المُتخصّصين- تَحدَّث غَير المُتخصِّصين وأَفتوا، رَغم أنَّ الفَتوَى مَقصورة عَلى أَهلها.. لَكن دَعُوني أستَعرض مَعكم بَعض الرّدود:

قَال أَحد المُغرّدين: (أعتَقد يَجوز، لأنَّكَ دَافع يَوميّة الفُندق). أمَّا الأخ “عايض الخمشي” فيَقول: (لَا حَرَج، مَا دَام مَرَّة وَاحِدة). وأفتَى مُغرِّد ثَالث قَائلاً: (لَيس عَليك أنتَ أيُّها اليَتيم حَرَج). ومِن جَانبه رَدّ الأخ “محمد السُّلمي” قَائلاً: (النَّفس ومَا تَهْوَى، أصبَحت الغُرفَة ومَا فِيها مِلْكَك). وقَد سَانده في ذَلك المُغرِّد “وليد بن حامد” بالقَول: (اعتبرْها مَعونة يَتيم). وقَد اتَّفَقَتْ مَعهما في ذَلك الأخت “نرجسية”، حَيثُ تَقول: (حَلالك أيُّها اليَتيم). أمَّا الأُخت “مريم سامي” فتَقول: (يَجوز أخذَها، فنَحنُ نَأخذ الصَّابون دَائماً)..!

مِن نَاحيةٍ أُخرَى، فإنَّ إجَابة الأخ “محمد عامر” عَن سُؤالي؛ كَانت مُدَاعبة لكِتَابَاتي و”نَهَفَاتِي”، حَيثُ يَقول: (لَا أَرَى حَرَجاً فِيما فَعلت، مَا دُمتَ تُكفّر عَن ذَلك في مَقالاتك ونَواصيك.. هَذا والله أعلَى وأعلَم)..!

ولَعلَّ ألطَف الإجَابَات كَانت مِن الصَّديق -عضو شَرف النَّادي الأهلي- “مشهور الحارثي”، حَيثُ قَال:
(خَيرُ مَن يُفتيك ابن طيبة الطيبة “مساعد السحيمي”).. ولَم تَتأخَّر -فِعلاً- إجَابة الصَّديق “مساعد بن سعد السحيمي” -نَائب رئيس لَجنة الاستثمَار الريَاضي وعضو شَرَف النَّادي الأهلي-، حَيثُ قَال: (لَا بَأس بخصُوص الأشيَاء التي تُعتبر استخدَاماً يَوميًّا، لأنَّها أصلاً مَحسوبة عَليك، وأخذُوا قِيمتها مِنك، أمَّا الأشيَاء الثَّابِتَة فلا يَجوز).. مَع التَّحفُّظ عَلى دخُول الصَّديقين “مشهور ومساعد” عَلى خَطّ فتوَاي لأنَّهما أهلَاويّان، وقَد تَدور حَولهما شُبهة التَّآمر عَلى اتّحاديّتي، ممَّا قَد يُفسد الفتوَى بحجّة “تَحاسُد الأقرَان”..!

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ أُؤكِّد أنَّ الرّدود كَثيرة، ولَعلّني أُضيفها مُستقبلاً في الجُزء الثَّاني مِن كِتَابي “الغُثَاء الأحوَى في غَرائب وعَجائب وطَرائف الفتوَى”.. ولَكن أغرَب الرّدود جَاء مِن المُغرّد “حاتم الغنيم”، حَيثُ قَال -تَعقيباً عَلى السُّؤال-: (إنَّك تُعاني مِن حَالة نَفسيّة)..!!!

بعض النواصي.. مع حبي وإخلاصي..

عِندَما تَغيب النَّواصِي؛ يَسألني الأحبَاب والأصحَاب عَنْها، ظَنًّا مِنهم أنَّ شَيخنا “أبوسفيان العاصي” اعتَزَل النَّاس ومَا يَعبدون، ودَخَل غُرفته كنَوعٍ مِن الاحتجَاج؛ عَلى مَا يَحدث في العَالَم العَربي.. ولكن الأحبَاب والأصحَاب -سَامحهم الله- لا يَعلمون أنَّ شَيخنا بَشوش حَليم، لَا يَعرف الغَضَب، ولا يَركب بُسَاطه.. ولتَأكيد ذَلك هَذه آخَر نَواصيه:

* الشّيخوخة لَيست تَراكُم السّنين عَلَى الجَسَد.. الشّيخوخة هي المَرحلة التي يَتوقَّف فِيها الإنسَان؛ عَن تَحقيق أحلَامه وتَطوير ذَاته..!
* السَّفر مِن مَطَار جُدَّة وإليهِ واستئِجَار سيّارة مِنه، تَمرين مُفيد وجيّد؛ لتَعلُّم الصَّبر والتَّحكُّم بالأعصَاب وضَبط النَّفس..!
*****

* بَعض النَّاس رَأسه مِثل موَاقِف السيّارات، حَيثُ تَجد آرَاء النَّاس مَصفوفة ومَرصوصة في دمَاغه، دون أنْ تَكون لَه سيّارة تَحمل رَأيه..!
* الدّقيقة وحدَة زَمنيّة طَويلة جِدًّا.. والذي لَديه اعترَاض عَلى ذَلك، عَليه أن يَقبض في كَفّه عَلى جَمرة مُلتَهِبَة لمُدّة دَقيقة وَاحدَة..!
*****

* مِن حَسنَات النّوم وَحيدًا؛ أنَّكَ تَجد وَقتًا لسمَاع أَنين الجِسم، ومَتَاعِب الرّوح، وأصوَات الجَسَد..!
* كُلّ يَوم أَضَع رَأسي عَلى شَكل طَاولات: طَاولة لمُحاسبة نَفسي، وطَاولة للاختلَاء بروحي، وطَاولة للحوَار مَع عَقلي، وطَاولة رَابعة للغذَاء؛ للتَّحاور مَع مِعدتي..!
*****

* النَّاس أمَام الأحدَاث أربَعة أقسَام: قِسم يَصنع الحدَث، وقسم يَستثمره، وقِسم يَتكلّم عَنه، وقِسم يَتجَاهله، فمِن أي الأنوَاع أنت..؟!
* أتمنَّى أنْ ألتَقط صورة “سِيلفي” مَع روحي، ولَكن للأسَف؛ إنَّ روحي مُختبئة عنِّي في ثَنَايا الجَسَد..!
*****

* إنَّنا قَوم مُصابون بالعَجائب، ومِن عَجائبنا، أنَّ الكَاتِب إذَا بيّن خَللاً في إدَارة خَدميّة مَا، لَا نُعالج الخَلَل، بَل نُعَاتِب ونُؤاخذ الكَاتِب..!

* يَقول شَاكر الخوري:
وسَألتُها هَل بالأَكيد تُحبّني؟
قَالت: فُؤادَك شَاهد يَا روحي!
فأجبتُها أَهل الهَوَى لَن يَقبَلوا..
أَبداً شَهادة شَاهِد مَجرُوح!!

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ نُذكِّر القَارئين والقَارِئات؛ بأنَّ شَيخَنا الجَليل يَرفل بالصّحة والمسرّات، ولا يَنسَى قُرّاءه وقَارئاته أَبدًا مَا حَيَا..!!!

الحبر المسكوب في شعر محمد يعقوب ..

وَعدتُ قرّاء هَذه الزَّاوية؛ أنْ أتحدَّث في كُلّ شَهر عَن شَاعِر مِن شُعرَاء بِلَادي الشَّبَاب المُبهجين، وهَا أنَا أكتب عَن الشَّاعِر والصَّديق “محمد إبراهيم يعقوب”، وهو شَاعر لَه بَصمته، كَما تَشير بذَلك دَواوينه ومَنتُوجَاته الشِّعريّة، ولَه مِن الدَّواوين: “رَهبة الظِّل”، و”تَراتيل العُزْلَة”، و”جَمْرُ مَنْ مَرُّوا”، و”الأمر لَيس كَما تَظنّ”..!

يخرب بيت صَاحبي “محمد”، إذ يَقول عَن حَبيبته:
يَا مَنْ أَعُودُ إِذَا مَا جِئْتُ أَكْتُبُهَا
مِنْ آخِرِ الصَّحْوِ أَمْحُوهَا وَأَحْتَرِقُ
مَا أَعْذَبَ الحُبَّ آمَالاً مُعَتَّقَةً
إِنْ جِئْتَ تَسْكُبُهَا ضَاعَتْ بِكَ الطُّرُقُ

ثُمَّ يَتأمّل “جَازَان”، ويَكتب فِيها قَصيدة – وجَازَان تَستَحق كُلّ قَصيدة -، ليَقول – ونَحنُ نُردِّد مَعه – :
خُلِقْتِ مِنْ طِينَةِ الإِبْدَاعِ فَاتِنَةً
وَالحُبُّ أَجْمَلُ مَا يَأْتِي بِهِ القَدَرُ

ونَظراً لأنَّ الشِّعر طقُوس وهوَاجِس، كَتَب صَديقنا الشَّاعِر “محمد إبراهيم يعقوب” قَصيدة بعنوَان: “مَزَاج الشِّعر”، يَقول فِيهَا – مُخَاطِباً القَصيدة/ الحَبيبَة-:
وَتَبَسَّمِي.. فَالحُزْنُ فَرْضُ كِفَايَةٍ
إِنْ غَابَ لَنْ نَشْقَى أَسىً فِي جَلْبِهِ
وَتَمَهَّلِي.. بَعْضُ الحَدِيثِ وِشَايَةٌ
والمَرْءُ أَصْدَقُ مَا يَقُولُ.. بِقَلْبِهِ

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ نَختم بالشِّعر كَمَا بَدَأنا بِهِ، وفي ذَلك يَقول صَديقنا “يعقوب” – مُعرِّفاً نَفسه-:
أَنَا.. أَنَا.. زَوْرَقُ النَّاجِينَ مِنْ وَجَعٍ
إِلى سِوَاهُ.. نَأتْ فِي اليَمِّ أضْرحَتِي
أَجُرُّ فِي الصَّبْرِ أَرْضِي حُزْن أرْمَلَةٍ
جُوعُ المَسَافَاتِ لاَ يَكْفِي لأُغْنِيَتِي

مفاهيم الصداقـة ليست كلها برّاقة ..

مَن يَتفكَّر في الدُّنيا، ويُطيل النَّظَر في خطُوط الطّول ودوَائِر العَرض في الحيَاة، سيَصل لقنَاعَات لا يَتوقَّعها، وحَقَائِق لا يَتصوّرها، وإليكُم المِثَال:
يَظنُّ الكَثيرون أنَّ الأصدقَاء؛ هُم الذين يُساعدون الإنسَان في نَجَاحه، ولَكن هَذه المَقولة تَحتَرق عِندَما نَضعها عَلى لَهب التَّشريح..!

إنَّ حقَائِق الكَون تَقول: إنَّ الإنسَان دَائماً تَأتيه المَضرّة مِن الأصحَاب، وقَد فَطن إلَى هَذا كَثير مِن الفَلاسفة والشُّعرَاء والأُدبَاء؛ مِن أمثَال “ابن الرومي”، حَيثُ قَال:
عَدُوَّكَ مِنْ صَدِيقِكَ مُسْتَفَادُ
فَلاَ تَسْتَكْثِرَنَّ مِنَ الصِّحَابِ
فَإِنَّ الدَّاءَ أَكْثَرُ مَا تَرَاهُ
يَحُولُ مِنَ الطَّعَامِ أَو الشَّرَابِ
إِذَا انْقَلَبَ الصَّدِيقُ غَدَا عَدُواً
مُبِيناً، وَالأُمُورُ إِلى انْقِلاَبِ

كَما انتَبه شَاعر قَديم إلَى تَجذُّر “النَّذالة” في بَعض الأصدقَاء، حِين قَال:
احْذَرْ عَدُوَّكَ مَرَّةً
واحْذَرْ صَدِيقَكَ أَلْفَ مَرّة
فَلَرُبَّمَا انْقَلَبَ الصَّدِيقُ عَدُواً
فَـكَـانَ أَعْـلَمَ بِالمَضَـرَّة

إنَّ الأصدقَاء -بشَكلٍ عَام- لَيسوا سَوَاء، شَأنهم شَأن كُلّ مَا في الحيَاة، هُنَاك أصدقَاء أوفيَاء، وهُنَاك أصدقَاء لا يَمتّون بحَبلٍ إلَى الصَّداقَة، والصِّدق والوفَاء..!

إنَّ هَذه الأفكَار كُلّها يُلخصها قَول أحَد الشُّعرَاء الخطِرين، ومَا أجمَل مَا قَال في هَذا البَيت:
وَمَا ضَرَّنِي إِلاَّ الَّذِينَ عَرَفْتُهُمْ
جَزَى اللهُ بِالخَيْرَاتِ مَنْ لَسْتُ أَعْرِفُ

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ نُؤكِّد على أنَّ الأصدقَاء يَحملون لَنَا أحيَاناً السَّعادة، وفي أحيانٍ كَثيرة يَحملون لَنَا التَّعَاسَة، ولَن أنسَى ذَلك المَثَل الذي تَعلّمته؛ مِن سيّدة مِن المَغرب العَربي، حِين قَالت: “يَا أحمَد احذَر الأصدقَاء فهُم مِن الأقَارب، ونَحنُ في المَغرب نَقول: الأقَارب عَقَارِب”..!!!

السعادة من صنع الانسان ..

لم تختلف البشرية في شيء؛ قَدْر اختلافها في السعادة ومفهومها، ومن أين تأتي وكيف تتحقق؟.

وفي التراث، هناك الكثير من هذه المفاهيم، ولعل الشاعر القبيح “الحطيئة”؛ أول من أثار هذا المفهوم حين قال:
ولَستُ أرَى السَّعادة جَمع مَالٍ
ولَكن التَّقِي هو السَّعيدُ!!!

ومثل هذا الشرح للسعادة غير دقيق، لأنك ترى آلاف الأتقياء؛ ولكنهم غير سعداء، كما أن هناك ملايين من البشر سعداء؛ رغم أنهم ليسوا بأتقياء.

وهناك من يظن أن السعادة في المال الوفير، والرزق الكثير، وهذا غير سليم، فأنت تشاهد ملايين الأثرياء هم من التعساء.

وهناك أيضا من يظن أن السعادة في المكان، فيقول: سأسافر “لأُغيِّر جو”، ظناً منه أن السفر سيهب له السعادة، وهذا وهمٌ كبير.. فالتعيس يحمل سجن تعاسته؛ ويأخذه معه أينما ذهب.

وهناك من يظن أن السعادة بتناول هذا المشروب، أو ارتشاف تلك السيجارة، أو سحب نَفَسَاً من “لي” الشيشة أو المعسّل، وكل هذا ليس بسعادة، بل هو وَهْم السعادة، وظلالها الخادعة.

وإذا تحققت السعادة من تناول أي مأكول أو مشروب، فالفضل في تلك السعادة يعود للمشروب الذي جلبها، وليس لذلك “السعيد العاجز”؛ الذي عجز عن صنع سعادته، فاستعان بـ”صديق من مشروب ونحوه”.

وهناك من يظن أن السعادة في العافية وصحة البدن، وهذا الكلام لا يستقيم في المعنى، لأنك ترى ملايين البشر من الأقوياء، ولكنهم يعيشون في بأسٍ وشقاء، بل قد يكون الأمر خلاف ذلك، بمعنى أن تكون القوة والنشاط من أسباب التعاسة.. ومن يذهب لمستشفى “الأمراض النفسية”؛ سيجد أن أكثر النزلاء يتمتعون بصحة قوية، بحيث لا يمكن السيطرة عليهم إلا بمجموعة من الرجال الأقوياء.

في النهاية أقول: بعد كل هذه الرحلة الطويلة والقرارات العميقة؛ في مفهوم السعادة، وجدت أنها “حالة ذهنية”، تأتي حين يتصالح الإنسان مع نفسه ومع غيره، ويؤمن بالقضاء والقدر، ويتفاءل.. أما المكان والزمان، والأحداث، والغِنَى والتُّقَى، كلها عوامل مساعدة، أما الأساس في السعادة فهو “التوازن النفسي والعاطفي والفكري”. ولقد صدق شاعرنا الكبير “حمد الحجي” حين قال:
ألا إنَّمَا صَفو الحَيَاةِ تَفاؤلٌ
تَفَاءَل تَعش في زُمرةِ السُّعداءِ!!!