أكثر من تجربة في مفهوم الغربة ..

الثَّقَافة العَربيّة كومٌ مِن المَعرفة، وكومٌ مِن المَعلُومَات، وكومٌ مِن الإبدَاع العَربي، وأهمّ مِن ذَلك كُلّه؛ أنَّها كومٌ مِن المُتنَاقِضَات، التي تَجعل الحَكيم محتَارًا، والطَّمُوح مُتسَائلًا، وأكثَر مِن غَيره استفهَامًا وإصرَارًا..!

وحتَّى نُوضِّح الأمور؛ دَعونا نُبسِّط المَسْأَلة، ونَأخذ مَوضوعًا، ونَرى كَيف تَتناقَض حَوله الآرَاء، وأعني بِه التغرُّب عَن الوَطَن، والإقَامَة فِيه، فقَد تَرَى الأشعَار والأبيَات التي تَحثّك عَلى السَّفر، وتَجد عَكسها أيضًا، تِلك التي تُحبطك وتَقولُ لَك: (اجلِس في مَكانك وكُل هَواءً أو تِبنًا)..!

أمَّا أدلّة الحَثّ عَلى السَّفر، والتغرُّب مِن أَجل طَلَب العُلا؛ فهي كَثيرة، مِنها عَلى سَبيل المِثَال قَول الشَّافعي:
تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِيْ طَلَبِ العُلَا
وسافِرْ ففي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِـدِ
تَفَرُّجُ هَـمٍّ، واكتِسَـابُ مَعِيْشَـةٍ
وَعِلْمٌ، وآدابٌ، وصُحْبَـةُ مَاجِـدِ
فإن قيلَ في الأَسفـارِ ذلٌّ ومِحْنَـةٌ
وَقَطْعُ الفيافي وارتكـاب الشَّدائِـدِ
فَمَوْتُ الفتـى خيْـرٌ له مِنْ قِيامِـهِ
بِدَارِ هَـوَانٍ بيـن واشٍ وَحَاسِـدِ

وقد شبّه الإمَام الشَّافعي -في بَيتين آَخرين- الإقَامَة في المَكَان نَفسه بالمَاء الآسِن، وفي ذَلك يَقول:
سَافِرْ تَجِدْ عوضًا عمَّن تفارقهُ
وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ
إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ
إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ

هَذه كُلّها مرويّات تَحثُّ عَلى السَّفر والتغرُّب، والسّياحة في الأرض، ولَكن مَاذا عَن الجَانِب الآخَر؟ وأعني بهِ التَّقليل مِن فَائِدة السَّفر، وزَرع الإحبَاط في جفُون المُسَافرين..!

هُناك حِكمٌ وأمثالٌ كَثيرة؛ تَنْهَى عَن خرُوج الإنسَان مِن مَكَانه؛ إلَى عَالَم السَّفَر، ومِن تِلك الأمثَال مَثَل شَهير يَقول: “مَن طَلَع مِن دَاره قَلّ مقدَاره”، ومَثَل آخَر يَقول: “خليك في عشّك مَا حَد ينشّك”..!

أكثَر مِن ذَلك، لقد اعتَبر الفُقهَاء -في تُرَاثنا العَربي الإسلَامي- الإبعَاد عَن الوَطن عقُوبَة، حَيثُ تَجد بَعض العقُوبَات في الفِقه الإسلَامي تَقول: (أن يُجلد 100 جَلدة ويُغرّب عَامًا)، والتَّغريب هو الإبعَاد عَن الوَطَن..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ أتسَاءَل: كيف يُواجِه الإنسَان هَذه المَوروثات المُتنَاقِضَة؛ إذَا كَان مَحدود القَدْر في التَّفكير والتَّدبير؟.. مَع أنَّني لا ألتَفتُ لمِثل هَذه الأمثَال التي تُحبط المُسَافرين، وأختَصر المَسألة بالمَثَل الشَّائِع القَائِل: “لَا كَرامة لنَبي في قَومه”، فالغُربة -أحيَانًا- تَمنحك الكَرَامة والنَّجَاح والمَعرفة..!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *