التصنيفات
المقالات

قصص قصيرة تقرأ في أوقات يسيرة

نَحن نَعيش الفَوضَى غَير الخَلاّقة، ومِن مَظاهر هَذه الفَوضَى التّداخُل بَين الحقُول، والتنقُّل بَين التَّخصُّصات، فمَثلاً خرّيج الكيميَاء يَعمل في الإعلَام، وخرّيج الإعلَام يَعمل في الزّراعة، وخرّيج الزّراعة يَعمل في السّياسة، وهَكَذَا حتَّى ضَاعت “الطَّاسَة”..!
في هَذا الجَو الفَوضوَي، فَكّرتُ أن أتحوّل مِن عَامِل مَعرفة إلَى “قَاصّ”؛ أو “حكوَاتي” يَروي الحِكَايَات، ونَظراً لأنَّ أكثَر القُرّاء أيتَام، فأنَا سأتعلَّم القَصّ والحلَاقة في رؤوسهم.. وإليهم خَمس قصَص عَرفجيّة:
1- سَألوني مَن هو الشّقي؟!
قُلت: الشَّقي مَن لا يَعرف كَيف يَستثمر وَقته، لأنَّ الوَقت إذَا لَم تَستثمره، يُصبح كالنَّار التي تَلتهم كُلّ شَيء..!
2- قَال لَها: عِندي إحسَاس أنَّكِ لا تُحبّين قُربي!
فأخَذَتْ نَفَساً عَميقاً ثُمَّ قَالت: هَذه أحَاسيس خَاطِئة!
فرَدّ عَليهَا –بَعد أنْ تَنهّد بألَم- ببَيتين لـ”نزار قبّاني”، يَقول فِيهما:
هَذِي أَحَاسِيسِي فَلاَ تَتَدَخَّلِي
أَرْجُوكِ بَيْنَ البَحْرِ والبَحَّارِ
لاَ سُلْطَةَ فِي الحُبِّ تَعْلُو سُلْطَتِي
فَالرَّأْيُ رَأْيِي وَالخيَارُ خيَارِي!!
3- سَألني: مَاذا تَتمنَّى؟!
قُلت: أتمنَّى أن يَحفظ الله بَركة حيَاتي؛ وشَمعتها الوهّاجة السيّدة العَظيمة “أم يحيى”، -أعني أُمِّي- “لؤلؤة العجلان”..!
4- سَألته قَبل عشرين سَنَة: أين أنت؟!
فقَال: في العَمل!
وسَألته يَوم أمس: أين أنت؟!
فقَال: في الدَّوَام!
هُنَا عَرفتُ الفَرق بَين الإنتَاج، وبين حضُور الجَسد فَقط..!
5- عَجبي عَلى ذَلك الوَاعِظ؛ الذي يَشتم الغَرب في كُلِّ خُطَبه، وجَسده -مِن رَأسه حتَّى أخمص قَدميه- مُجرَّد مَعرض إكسسوَارَات للمَنتوجَات الغَربيّة؛ مِن العُقَال إلَى الحِذَاء، مُرورا بالسَّاعة، والقَلَم، والمَلابس الدَّاخلية..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: إنَّ هَذه خَمس قصَص، “فحّطتُ” قَبل أسبُوع لأكتُبها، والحَمد لله أنَّها خَرَجَت كَما تَخرج البيضَة مِن الدَّجَاجَة، لتَكون الفَرحَة مُضاعفة، فرحة خرُوج البيضَة التي تُريح الجِسم، وفرحة النَّاس الذين يَنتظرون البيضَة بفَارغ الصَّبر..!!!
التصنيفات
المقالات

الأخذ والعطاء في مراعاة حقوق النساء ..!

بَين فَترةٍ وأخْرَى تَأتيني رِسَالة مِن هَذا القَارئ أو ذَاك، تُحرِّض في النفس الأسئلَة، وتَزْرَع في الأفكَار الحيْرة، فلا أجَد مَفرًا مِن الالتفَات إليهَا، والاعتنَاء بهَا..!
ومِن هَذه الرَّسَائِل، رِسَالة وَصلتني مِن القَارئ الوَاعي “عايد الشبعان”، يَقول فِيهَا: (مِن غَرائب المُجتمع أنَّه لَو شَكَت امرَأة بُخْل زَوجها لوَاعِظ، سيَقول لَهَا: التَمِسي لَه العُذر، فرُبَّما يَمرُّ بضَائِقة مَاليّة.. وإنْ قَالت لَه: إنَّه يَضربني، فسيَقول لَها: اصبري حتَّى لا يَتشتّت أبناؤُك.. وإنْ قَالت لَه: إنَّه مُدْمِن، فرُبَّما يَقول لَها: احتَسبي الأجر، لَعلّه يَتوب قَريبًا.. أمَّا إنْ قَال نَفس الرَّجُل –أو غَيره- لهَذا الوَاعِظ: إنَّ زَوجتي تُصدر شخيرًا وهي نَائمة، فسيَقول لَه: إنَّ الشَّرعَ يُجيز لَك أن تُطلّقها)..!
هَذه الرِّسَالة “القَاهِرة” جَعلت الحَرف يَتوقّف؛ ليَسأل عَن حقوق المَرأة في هَذا المُجتمع، الذي يُوصف بالقسوَة..؟!
أَعْلَم أنَّ أمر الكِتَابَة عَن حقوق المَرأة أصبَح مُملًا، ومُكررًا، ولَكن دَعونا نَتأمّل الأمر بهدُوء:
إنَّني هُنا لا أُطَالب بِمَا يُطالب بهِ أصحَاب السّقف العَالي؛ مِن أنْ تَكون المَرأة حُرّة، أو تَخرج لتُصبح وليّة أمر نَفسها، وإنَّما كُلّ مَا أُطَالب بهِ هو تَسهيل الإجرَاءَات للمَرأة لتَحصل عَلى حقوقها في مُدّة زَمنيّة مَعقولة، فمثلًا، لمَاذا يَستغرق خُلع المَرأة لزَوجها وَقتًا طَويلًا؟!.. ولِمَاذا لا يُبتّ في حَقّ الحضَانة للأُم بسُرعة..؟!
وقَد سَعدتُ كَثيرًا لأنَّ الأنظِمَة الجَديدة تُراعي كَثيرًا مِن حقُوق المَرأة، فمثلًا، أكَّد النظَام عَلى أنَّ المَرأة تَرفع حَقها بالخُلع؛ في المَنطقة التي تَسكن فِيها، بَينما كَان -في السَّابِق- يَجب عَلى المَرأة أنْ تَرْفَع القَضيّة؛ في المَنطقة التي يَسكن فِيها الزّوج..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: إنَّه مِن الصّعب -بَل مِن الاستحَالة- في مِثل هَذا المَقال أن أحصر الأمُور؛ التي يَجب أن نُراعي فِيها حقُوق المَرأة، ولَكنَّه يُذكّر –فَقط- بالمَرأة وحقُوقها، استنَادًا إلَى قَول “محمد بن عبدالله” –عَليه الصّلاة والسّلام-: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا)..!!!
التصنيفات
المقالات

حتى اللغة تظلم المرأة

إذا نظر المرء إلى الجدل الدائر؛ بين الأطراف المتخالفة و”المختلفة”، يجد أن سبب الخلاف ومحور المشكلة هو “المرأة”، الأمر الذي يجعلني أقول: “إن النساء وراء كل جريمة نقاش”.

وهذا الكلام ليس بعيداً عن ما ترويه بعض الكتب؛ من القول بأن المرأة “فتنة”، و”خطر” و”فسوق”، بخلاف تعاليم الدين التي تقول: “استوصوا بالنساء خيراً”.
في الغرب، إذا حصلت مشاكل؛ يُقال “فتّش عن المرأة”، وكأن هذه المخلوقة “الجميلة” رأس كل جريمة !
أكثر من ذلك ، هناك مَن استثمر هذا الوضع المتوتر ليستفيد منه ، حيث يقول “ناصر الدين النشاشيبي”: “إنَّ توفيق الحكيم قد بَنَى أمجاده على قذف المرأة بالطّوب”.!
بعد كل ذلك ، أقول ؛ دعونا من البشر ..فهم أناس  جاحدون
ولكن الغريب أن تكون  اللغة جاحدة !
لذلك  يُقال أن اللغة ظلمت المرأة في عدة مواضع من خلال أوصافها ، فمثلا ، إن قِيل “رجلٌ قاض”، يُقال امرأة “قاضية”، تعني قاضية، وإن قيل “رجلٌ حي” يُقال امرأة “حيّة”، أخت العقرب، وإذا أصاب الرجل يُقال هو “مُصيب”، أمَّا المرأة فهي “مُصيبة”، وإذا لم يحترف الرجل فيقال له “هاوٍ”، أمَّا المرأة فهي “هاوية”، وتؤدي إلى هاوية، وإذا كان الرجل في الوكالة فيُقال “نائب”، بينما المرأة “نائبة”، كفانا الله وإياكم شر “النوائب”.
حسناً.. تأمَّلوا المشاهد التالية:
انزع المرأة من التعليم وستنتهي مشاكله، من اختلاط وفصل، ومراجعات وابتزازات.
خُذ هيئة الأمر بالمعروف كمثال آخر، وانزع عنها قضايا المرأة، ستنتهي مشاكل الإعلام والمجتمع مع الهيئة، وأتحدَّى مَن يُثبت أن هناك مَن اشتكى من الهيئة؛ لأنها قضت على “إرهابي”، أو حاكمت “سائقاً” لأنه قطع الإشارة الحمراء.
واقرأ مقالات الكُتّاب، تُدرك أن معظمها إما عن تحرير المرأة، وإما عن احتشامها، والباقي عن مشاكلها ومكانتها وقضاياها.
في النهاية أقول: إننا أسأنا إلى هذا المخلوق “الرقيق”، الذي له من المكانة أكثر ما للرجل من مكانة.. والمرأة أدرى بشؤون دنياها.
التصنيفات
المقالات

الكر والفر في اقتصاديات الشر ..!

الشّر مَفهومٌ عَالمي مُنتشر بَين الأُمَم كَافة، رَغم أنَّه مَفهومٌ خَفي، ولا تَكاد تَجد تَعريفًا كَاملًا لهَذا المَنتوج المَكروه، وأعني بِهِ “الشّر”..!
إنَّ الشّر يَا قَوم طَاقة، تَأخذ مِن وَقت الإنسَان؛ مَا لَم يَأخذه أي شيء آخر، لذَلك مَتَى ما انشَغَل الإنسَان بالشّر قَلَّ انشغَاله بالخَير، لأنَّ الشّر قَوي، والخَير ضَعيف، بدَليل أنَّ تُفاحة وَاحدة فَاسدة شِريرة؛ يُمكن أن تُفسد كُلّ مَا في الصَّندوق؛ مِن تُفاح خيِّر صَالح للأكل، في حِين أنَّ كُلّ التفاح الخيِّر؛ لا يُمكن أن يُصلح تفاحة شِريرة وَاحدة..!
لقَد أدرَك “المُتنبِّي” أنَّ الشّر طَاقة، فرَفَع نَفسه عَن مَا في الشّر مِن استهلَاك للوَقت، وضيَاع للجُهد، فقَال:
وأكبِرُ نَفْسي عن جزاءٍ بِغَيبةٍ
وكل اغتِيابٍ جُهْد مَن مَا لهُ جُهْدُ
كَمَا أدرَكَ “الشَّافعي” –قبل “المتنبي”- أنَّ الشَّر طَاقة مُتعِبَة للجسم، ومُضرّة للعَقل، فابتَعَدَ عَنه، لذَلك يَقول:
لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أحْقِدْ عَلَى أحَدٍ
أرحتُ نَفسي مِن همّ العداواتِ
وقَد قَال أحدُهم مُجافيًا للشّرِّ:
إنِّي أُحَيي عَدُوِّي عنْدَ رُؤْيَتِهِ
لأدفعَ الشر عنِّي بالتحياتِ
إنَّ الشّر لا يَتكاثر إلا عِندَما تَتقَاعس الأيَادي الخيّرة، والجهُود المُبَاركة، لذَلك يَقول “إدموند يورك”: (مَا تَحتاج إليهِ قوَى الشّر لتَنتصر، هو أنْ يَلبث أنصَار الخَير مَكتوفي الأيدي، دُون أن يَقوموا بأي عَمَل)..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: إنَّ الخَيرَ هو الكَابِح الوَحيد للشر وانتشَاره، وتَوغّله في النَّاس، ولا يُمكن أنْ تَنطفئ نَار الشّر؛ إلا بإشعَال شمُوع الخَير، وقَنَاديل السّلام، لذَلك يَقول المُبدع “أويليوس”: (الامتنَاع عَن عَمل الخَير لا يَقل جُرْمًا عَن ارتكَاب الشّر).
التصنيفات
المقالات

مقادير ووصفات من مطبخ الكِتابات

مُنذُ أنْ عَرف الإنسَان الكِتَابة؛ وهو في صِرَاعٍ مَع الوَرقَة البَيضَاء، والقَلَم، والفِكْرَة القصوَاء، والشَّاردة التي تَأتيه مِن حَيثُ يَعلم ولا يَعلم؛ في اللَّيلةِ الظّلمَاء..!
وقَد قِيل الكَثير عَن صِرَاع الإنسَان مَع أُنثَى الكِتَابة، وأُنثَى الوَرقة، والقَلَم المُذكّر، لذَلك سأَميل بَين فَترةٍ وأُختها إلَى عَرض بَعض المَقولَات والصّراعَات، التي التَقطتُهَا مِن شيُوخ الكِتَابة، لَعلَّ هَذه المَقولات تَكون لَوحات إرشَاديّة؛ في طَريق مَن يُريد العبُور والسِّبَاحة في بَحر الكِتَابَة..!
يَقول “عبدالله بن يحيى”: (عَقْل الكَاتِب في قَلمه)، وهو هُنَا يَقصد القَلَم بمَعنَاه الوَاسِع، بمعنَى أن يَكون السيّد “كيبورد” مَحل القَلَم.. مَا جَعلني أقول: “اللهمّ لا تَكلني إلَى قَلمي طَرفة عَين”..!
أمَّا المُغذّي للكِتَابة فهو القِرَاءة، لذَلك يَقول “سَارتر”: (بَدأتُ حيَاتي كَما سَوف أُنهيها -بلا شكّ- بَين الكُتب)..!
لَكن الأديب السَّاخِر السَّاحِر “إبراهيم المازني”؛ يُؤكِّد أنَّ الكَاتِب الذي لا يَقرأ؛ تَأتي أفكَاره جَافَّة، مَنزوعة الفَائدة، لذَلك يُؤكِّد عَلى القِرَاءَة، قَائلاً: (أنَا كعَربَة الرّش.. لا أكتُب حتَّى أَمْتَلئ بمَاء القِرَاءَة)..!
أمَّا الكَاتِب العِملَاق “مارون عبود”؛ فيُؤكِّد عَلى أنَّ الكَاتِب يَجب أن يَكون سَابق عَصره، مُستَشرفًا للأمُور، ومُتوقِّعًا لَها، لذَلك يَقول: (سَاعة الكَاتِب يَجب أن تَسبق الزَّمن بخَمسِ دَقَائِق)..!
كَمَا أنَّ العمّ “مارون عبود”؛ أكَّد عَلى أهميّة القِرَاءَة، وأنَّها لَيست تَرفًا، وإنَّما هي سيَاحة في جُغرَافيا الخلَايا الفِكريّة، ودَهاليز الرّؤوس والجَمَاجِم، لأنَّه يَعتبر القِرَاءَة (تَجوُّلاً في عقُول الآخرين).. هَكذا يَقول شَيخنا “مارون عبّود”، وأنَا أقول: (وَيلٌ لأُمَّة تَحظر التَّجوُّل)..!
أمَّا مِن حَيثُ اختيَار الكُتب؛ ونَوعية المَوضوعات، التي يَجب أن يَقرأ فِيها المَرء، فقَد أجَاب عَن هَذا السُّؤال المُفكِّر “جونسون”، حَيثُ قَال: (يَحسُن بالمَرء أنْ يَقرأ مَا تَقودُه نَزعتُه إليهِ.. لأنَّ مَا يَقرأه كوَاجِب؛ قَلّما يَعود عَليه بالنَّفع)..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَذه بَعض المَعَالِم في طَريق الكِتَابة، فاقرَأوها وتَدبّروها، حتَّى يَأتي مَوعد الدُّفعَة القَادِمَة مِن المَقولات، التي تُحفّز الكَاتِبين والكَاتِبَات؛ للتَّحرُّش بالوَرقَة والقَلَم، والحرُوف والكَلِمَات..!!
التصنيفات
المقالات

عصارةُ العصرةِ في حواراتِ الكسرةِ

فَنُ الكَسَرَات فَنٌ شِعريٌّ عَميقُ الدَّلالةِ، مُختَصرُ الكَلَامِ، مُنْتَشرٌ في مَنطقة يَنبع؛ ومَا جَاورها مِن المُدن والقُرَى..!
والسِّجَالات بَين أهل الكَسَرَات لا تَنْقَطع، فهَذا يَقول كَسرة، وهَذا يَردُّ عَليه، وقَد تَستمر المَعارك لشهُورٍ وسنين، وهي مَعارك لُغويّة تُؤكِّد البَرَاعَة، وتَشرح مَعْنَى الشَّجاعَة في القَول وحُسن الاختيَار..!
وقَبل فَترة أرسَل لِي الصَّديق والقَارئ العَميق «خضر الحربي» كَسرة يَقول فِيها:
يُعجبني أسلُوبَك النَّاري
وتَشجيعَك الأصفَر البَرّاق
يَا العَرفج أدْعِي لَكَ البَاري
مَا يصيبَك الهمّ والضّياق
ولَجْلَك مسيطر عَلى أفكَاري
ودَرب التَّواصل صعيب وشَاق
سوّيت لَك نصب تذكَاري
في سَاحة الودّ والأشوَاق
حِين وَصلتني هَذه الكَسْرَة، حَاولتُ أنْ أَردّ الكَسْرَة بالكَسْرَة، والعَين بالعَين، والسِّن بالسِّن، ولَيس الحَرف بالحَرف، مَع أنَّ عَهدي بكِتَابة الكَسَرَات قَديم، فأنَا استَقلتُ مِن الشِّعر بُنَاء عَلى طَلبي؛ مُنذ فَترة طَويلة، ولَكن سَامح الله الحَبيب «خضر»، الذي حَرَّك فيَّ السَّاكن، وسَكَّن فيَّ المُتحرِّك. لذَلك كَتبتُ كَسْرَة أقول فِيها:
كُنَّا ثَلاثة وصِرنَا اثنين
يَا خوفي نَبْقَى عَلى وَاحِد
رَاح الحَبيب الحَبيب الزّين
وأصبَحتُ عِند الهَوَى قَاعِد
بَعد هَذا الرَّد تَمَادَى الأخ «خضر» في طُغيَانه الشِّعري، وأرسل لِي رِسَالة، هَذا مَضمونها:
لا تَحسب الود اندُومي
الود فِيهِ الكَلَام اشتَد
خلّك مَعي واسمَع اعلُومي
وخلّك مَعي فالإجابَة حَد
يَم الهَوَى رَاحت اسهُومي
بَس انْثَنَت مِن ريَاح الصّد
كُثر الهَجْر زوّد همُومي
وش عِندكم للمُتيّم رَد
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: إنَّ الكَسَرَات فنٌ يَبعث المُتْعَة في النَّفس، والبَهجَة في الكَلَام، لذَلك مَا أجمَل أهل الكَسَرَات؛ وهُم يَتنافسون في صنَاعة القَول الشَّعبي البَديع، الذي يُثري السَّاحة، ويَملأ المسَاحة، ويَدلُّ عَلَى الذَّكَاء، ويُترجم مَعْنَى الصَّراحَة..!!

 

التصنيفات
المقالات

هيئة الأمان في التعامل مع النسيان ..!

النِّسيَان عَادةٌ بَشريّة، مُتّسقة بالإنسَان، ولا يُمكن أن تَنفصل عَنه، أو تَنفكّ مِنه..!
ومُنذ بدء الخَليقة، والإنسَان يَتصَارع مَع ذَاكرته؛ لِكَي تَكون أقوَى، ولِكَي يَجعل النِّسيَان أضعَف، ولَكن هيهَات هيهَات، فالإنسَان لَم يُسمَّ إنسَاناً إلَّا لنِسيَانه..!
وحتَّى لا نَظلم النِّسيَان نَقول: إنَّه -في بَعض الأحيَان- نِعْمَةٌ مِن نِعَم الله، فمَن مَرَّ بجَرحٍ غَزير، أو مَوقفٍ مَرير، أو حَالٍ خَطير، يُدرك مَعنَى لذّة النِّسيَان، ونِعمة التَّجاوز وإيجَابيّة الغَفْلَة، وقَد حَاول الإنسَان في مَعركتهِ مَع الحيَاة؛ أن يُقلِّص كميّة النِّسيَان، لِذَا استَخدم المنبّهات والجَداول والمُفكِّرَات؛ في مُحاولة مِنه لتَقليص مسَاحة النِّسيَان، وتَكبير خَارطة التَّذكُّر والانتبَاه..!
والنِّسيَان فَوق ذَلك وقَبله وبَعده، لَيس بذَلك الأمر السّيئ، لذَلك أعطَت الشَّريعَة للنَّاس المَخَارج، حِين وَضَعَتْ لَهم الأعذَار، كسجُود السَّهو في الصّلاة ونَحوه..!
وقَبل أنْ أختم المَقَال أقول: إنَّ الإنسّان يَملكُ الخيَارات، فمَثلاً إذَا أرَاد المَرء أن يَتذكَّر شَيئاً فسيَتذكَّر، وإذَا أرَاد أنْ يَنسى شَيئاً قَطعاً سيَنسَاه، بشَرط أن تَكون الإرَادة القَويّة حَاضرة في الحَالتين، وأعني بِهما حَالة التَّذكُّر وحَالة النِّسيَان..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: إنَّ البَشَر مَواهِب وقُدرَات، ومَراحِل وصِفَات، ولازلتُ أحفَظ مَقولة للشَّيخ الجَليل “محمد الأمين الشنقيطي” يَقول فِيها: (إنَّني أتعجَّب مِن المَرء الذي يَقول: نسيت)، فهَذا الشَّيخ الجَليل؛ يَعتبر النِّسيَان شَيئاً لا وجُود لَه، لأنَّه كَان حَافِظاً عَالِماً، لا يَنسى شَيئاً..!!!
التصنيفات
المقالات

حلاوة الحجازيين

يُقال: إن المكان يعكس خصائصه على تصرفات أهله، وهو ما عرف بنظرية “الماء والتربة”؛ حين يُؤثِّر هذان العنصران على نفسية وتصرفات مَن يسكن فيهما.. ومن هنا يقول شيخنا “أبوسفيان العاصي”: “إن أهل الشمال أكثر رقّة مِن أهل الجنوب”.
وقد قال شيخنا “أحمد الغزّاوي” في شذراته؛ تحت عنوان “حلاوة الحجازيين”: ابتدأ أبوعبدالله الزبير بن بكار؛ تصدير ديوان (ابن الدمينة) بقوله: كان ابن الدمينة –وهو عبدالله بن عبيدالله- مِن أحسن النَّاس نمطاً، يجتمع له مع رقّة المعاني “الفصاحة”، ومع العذوبة “الجزالة”، وكان نقي الكَلِم، بعيداً عن التَّكلُّف، وأكثر شعره نسيب – أي غَزَل-.
ويُعلِّق الغزَّاوي على هذا النَّص بقوله: كان هذا القول في القرن الثاني مِن الهجرة، وسبقه قول عطاء بن أبي رباح في قصة المرأة الحاجة، التي كانت تتغنَّى بهودجها حين إقبالها على مكة، فوعظها فأسفلت –أي غطَّت وجهها- وقالت: أترى إن الله يُعذِّب مثل هذا الوجه؟! (إن صح هذا)، فقال: لا والله، وأردف الراوي يقول: (كما زعموا والله أعلم)، أما والله لو كان مِن بعض فُظَّاظ –أي شِداد- أهل العراق؛ لقال لها “اغربي قبّحك الله”، ولكنه ظُرْف أهل الحجاز، فهل لا يزال هذا الظُّرْف وهذه الحلاوة التقليديين كما كانا، أم طرأ عليهما ما غيّرهما؟!
وللأمانة وللتاريخ، وإجابة على سؤال شيخنا الغزّاوي، أستطيع القول: (إن هذه الحلاوة مازالت قائمة، ومَن عَرف أهل المدينة ومكة وجُدَّة -بضم الجيم- والطائِف وما حولهم مِن المدن والقرى؛ يدرك أن الحجاز له ولأهله حلاوة؛ تُشبه “اللبنيّة واللدّو والحلقوم”، وحسن أولئك رفيقاً مِن الحلويات والعسليات).
في النهاية أقول: رحم الله إمامنا المبرد الذي قال: (عندما أدخل الحجاز كأنما أُبشَّر)، ورحم الله غيره القائل: (سُكنى الحجاز نصف القوت).

التصنيفات
المقالات

لا للتصنع في أعمال التطوع

لَيسَت المَرَّة الأُولَى التي أكتُب فِيها عَن التَّطوُّع؛ ووجُوب زرَاعته في حقُولنا الاجتمَاعيّة، لأنَّ الأُمَم -في نَظري- تُقاس بعَدد المُتطوّعين فِيهَا، لأنَّ المُتطوِّع يَفعل الفِعْل لوَجه العَطَاء، في حِين أنَّ المُوظَّف يَعمل عَمله مِن أجل كَسب المَال، وأحياناً الثَّراء..!
لَيسَت المَرَّة الأُولَى التي أكتُب فِيها عَن التَّطوُّع؛ ووجُوب زرَاعته في حقُولنا الاجتمَاعيّة، لأنَّ الأُمَم -في نَظري- تُقاس بعَدد المُتطوّعين فِيهَا، لأنَّ المُتطوِّع يَفعل الفِعْل لوَجه العَطَاء، في حِين أنَّ المُوظَّف يَعمل عَمله مِن أجل كَسب المَال، وأحياناً الثَّراء..!
لقَد قُلتُ في كَثير مِن المَنابِر الإعلَاميّة، بأنَّ لَدينا مُطَاوعة؛ ولَيس لَدينا مُتطوّعون، وكَم كُنتُ أتمنَّى أنْ يَكون لَدينا مُتطوّعون، بقَدر مَا لَدينا مِن مُطَاوعة ومُحتَسبين..!
إنَّ أعمَال التَّطوُّع يَجب أنْ تُعطَى الأَولويّة؛ في التَّكريم والاحتفَاء والتَّقدير مِن لَدُن كُلّ الجِهَات والمُؤسَّسات، وحِين كُنتُ في بريطَانيا، عَرفتُ أنَّ المُوظَّف لا يُمكن أن يَحصل عَلى وَظيفة -هُنَاك- إلَّا بَعد أن يَحضر مَا يُثبت أنَّه انخَرَط في أعمَال تَطوّعيّة؛ تَتجاوز مُدّتها سِتّة أشهُر، وعَلى مَا أعتَقد أنَّ الأنظِمَة لَدينا بَدأت تُحفِّز عَلى مِثل هَذه الخُطوَات..!
إنَّ التَّطوُّع يَدلُّ عَلى العَطَاء، وسَلَامة ونَقَاء النَّفس البَشريّة، التي تُحبُّ الخَير لنَفسها ولغَيرها، وقَد جَاء الإسلَام مُؤكِّداً عَلى هَذه النَّظريّة، حَيثُ قَال الحَديث الشَّريف: (لا يُؤمِن أحدُكم حتَّى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنَفسهِ)..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَا قَوم، تَطوّعوا وكُونوا قُدوة لغَيركم، فالتطوُّع هو أرقَى دَرجَات العَطَاء في النَّفس البَشريّة، تَطوّعوا، فأعمَال التطوّع تَجعل صَاحبها يَنام قَرير العَين، هَانئ النَّفس، مرتَاح البَال..!

التصنيفات
المقالات

كشف الأسرار في تأجيل الأفكار

أصبَح “تويتر”؛ مَنجماً لاستخرَاج الأفكَار، وتَدويرها وإنضَاجها، وجَس نَبض النَّاس حَولها، ومَعرفة المَد والجَزْر بأي فِكْرَةٍ مِنهَا..!
ومُنذ سَنوَات؛ وأنَا بَين فَترةٍ وأُختها، وبَين مُدَّة وابنَةِ عمّها، أبثُّ فِكْرَةً لالتَقط آرَاء النَّاس حَولها، وقَبل أيَّام، كَتبتُ نَاصية عَلى شَكل تَغريدة تَقول: (علّمتني الكِتَابة أنْ لَا أجعَل الأفكَار السَّاخِنَة تَذبل وتَموت؛ في ثَلَّاجة التَّأجِيل والتَّسويف)..!
هَذه التَّغريدة ألهَبَت بَعض القَارِئات والقُرَّاء، فأخذُوا يُفَكْفِكُون الفِكْرَة؛ بَين مُؤيِّد جَاد، ومُعَارِض حَاد، ولَن أستطيع أنْ أُحْصِي الرّدود كُلّها، أو أن أذكرها، بَل انتَخبتُ رَدًّا وَاحدًا؛ قَد يُمثِّل أغلَب الرّدُود، ويَتفوَّق عَليها بأنَّه: ردٌّ صِيغَ بلُغَةٍ بَرَّاقة، ووَاضِحَة ومُقْنِعَة، ألَا وهو رَدّ الدّكتور “محمد بوحليقة”، الذي يَقول فِيهِ: (أحيَاناً لا نَستطيع طَرح الأفكَار؛ بسَبَب عَدم مُلائمة الظَّرف، فتَضطرّ لوَضعها في فريزر التَّأجيل، أو مُستَودع التَّسويف، أو نَدفنها في الصّدُور)..!
بَعد هَذا أقول: إنَّ الأفكَارَ مَرهونَة بأوقَاتها، والفِكْرَة كالمَلابس، مِنْهَا مَا يَصلح للصَّيف، ومِنْهَا مَا يَصلُح للشِّتاء، ومِن الحَمَاقَة إخفَاء مَلابس الصّيف، لنَرتديها في الشِّتَاء، ومِن الغَبَاء ارتدَاء مَلابِس الشِّتَاء في وَقت الصّيف..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَا قَوم، كُلّ فِكْرَة لَهَا وَعَاءٌ زَمني، فاختَاروا لكُلِّ فِكْرَة وَعَاءها المُنَاسِب، وإن كُنتُ أستَحسن -أحيَاناً- عِطْراً فرنسيًّا أخَّاذا؛ إذَا وُضِع في إنَاءٍ قَديم جِدًّا..!!!