التصنيفات
المقالات

يوميات لا تجترح المعجزات..!

أصبَحت اليَوميّات والعَرْفَج وَجهَان لعُملةٍ وَاحِدة، لذَلك عِندَما تَغيب اليَوميّات، يُسأل كَاتِبها عَن غِيَابها، وكَأنَّه وَلي أمر طَالبة فَرّت مِن المَدرسة، لذَلك هَا هي يَوميّات جَديدة تَعود إليكُم، وكَأنَّها سلّة فَاكهة حُصدت للتَّو:
(الأحد)
دَائمًا يَشتكي النَّاس مِن الأحمَق، ولَكن لَم يَقولوا لَنَا مَن هو الأحمَق؟ مِن هُنَا أخذتُ عَلى نَفسي عَهدًا؛ بأنْ أبحَث عَن تَعريف لَه، وأخيرًا عَثرتُ عَلى تَعريف يَقول: “الأحمَق هو شَخص يَحرمك مِن الوحدَة، دُون أنْ يُمتّعك بالصُّحبَة”..!
(الاثنين)
تَقول القصّة: إنَّ فيلسُوفًا ألمَانيًّا كَان يَتجوَّل في الحَديقة مَساءً، فاستَوقفه الشُّرطي وسَألَه: مَن أنتَ؟ فقَال الفيلسُوف -بكُلِّ تَعجُّب-: “يَا إلَهي مُنذ أربعين سَنَة وأنَا أُحَاول الإجَابَة عَن هَذا السُّؤال”.. طَبعًا لا يخفَى عَليكم أنَّ رَجُل الشّرطة يَسأل عَن الهَويّة الأمنيّة، بَينما الفيلسُوف يَتسَاءل عَن مَاهيّته الفَلسفيّة..!
(الثلاثاء)
لقَد تَوقَّفتُ كَثيرًا عِند جُملة الفيلسوف “مونتيه” حِين قَال: “الفَرق الوَحيد بَين مَوت الشّيوخ ومَوت الشَّبَاب، هو أنَّ الشّيوخ يَذهبون إلَى المَوت، بَينَما يَذهب المَوت إلَى الشَّبَاب”..!
(الأربعاء)
يَقول الكَاتِب “إميل لودفيج”: “إنَّ سِرّ عَظمة أتَاتُورك؛ يَكمن في أنَّه عَاش وَحيدًا بلا امرَأة”، وهَذا كَلام يُناقض المَقولَة المَشهورة: “ورَاء كُلّ رَجُل عَظيم امرَأة”، ولَكُم حَق الاختلَاف أو الائتلَاف؛ مَع هَذه اليَوميّة، وغَيرها مِن اليَوميّات..!
(الخميس)
صَديقنا الصَّحفي العَريق “عبدالله القُبيع” لَه ابنة صَغيرة؛ لا تُجيد مِن العَربيّة إلَّا قَليلاً، وذَات مَرَّة سَأل أخُونا “القَبيع” ابنَته: أين أنتِ؟ فقَالت: أنَا عِند التّلفزيون، “أَيَامْ أتفرّجنْقْ”..!
(الجمعة)
سَألوا “برنارد شو” عَن مَرحلة الطّفولة، فقَال: “الطّفولة مَرحلة مِن العُمر، يَعيش فِيها الإنسَان عَلى حِسَاب سِوَاه”.. أعتَقد أنَّ كُلاً مِنّا كَان مَشروع “سَلتحة” في طفُولته..!
(السبت)
يَا قَوم.. تَعلّموا الإيتيكيت مِن الدّبلوماسي؛ الذي يُعرّفه أهل العِلم بأنَّه: “شَخص يُحدّثك وهو يَكرهك، فتَظن أنَّه يُحبّك”..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَذا مَا لَديَّ مِن يَوميّات لهَذا الأسبُوع، آمُل أن تَكون ثَريّة، وتُسمن مِن بَعضِ جُوعٍ..!!!.
التصنيفات
المقالات

«وش بقي ما ظهر» من مشكلات «تويتر» ؟!

بَعد دخُولنا إلى عَالَم “تويتر”؛ تَغيَّر وَجه عَلاقاتنا البَينيّة، وأعنِي بذَلك؛ أنَّ رُؤية صُورنا لبَعضنا البَعض؛ جَعلتنَا نَشعر بأنَّنا قريبون؛ في عَالَم افترَاضي، تَتقَارَب فيهِ الكَلِمَات، وتَتبَاعد فِيهِ الأجسَاد..!
ولَن أتحدَّث –هُنا- عَن العَلاقة الافتراضيّة، فهَذه قَضيّة سأتكلَّم عَنها في مَقالٍ آخَر، ولَكن مَا أنَا بصَدده مِن كَلِمَات، هي تِلك المُشكِلات التي نَشأت بَين الأصحَاب بسَبَب “تويتر” ومُتَابعته.. وإليكُم بَعض مُشكِلات “تويتر”، التي أُعَاني مِنها، ويُعاني مِنها غَيري..!
المُشكلة الأُولَى: أنَّ أحدَهم يَراني في “تويتر”، ثُمَّ يُعجب بِمَا أطرَح، ويَعمل لِي مُتَابعة، أو كَما يَقول الإنجليز “فلو”، وبَعدها بأيَّام يُقابلني في إحدَى المُنَاسبَات، ويَتحدَّث مَعي بغَضب قَائلًا: يا أخي اتْرُك الغرُور، لأنِّي عَملت لَك مُتَابعة، وأنتَ لَم تَعمل لِي مُتابعة، أو مَا يُسمِّيه الإنجليز “فلوباك”.. وهُنَا، لابُد للمَرء أن يَكون وَاقعيًّا وصَريحًا في الرَّد، لذَلك قلتُ لَه: أنتَ تَابعتني بمَحض إرَادتك، فدَعني أُتابعك بمَحض إرَادتي، لأنَّك وَجَدْتَ لَديَّ مَا يُغنيك، وأنَا لَم أجَد فِيك مَا يُغنيني، ويَجب عَلينا أن نَتجَاوز هَذه النُّقطَة، فمَثلًا، أنَا أُتابع في “تويتر” السيّد أوبَاما، وهو لا يُتابعني، وأُتابع حِسَاب “درر الكَلام”، وهو لا يُتابعني… إلَى آخره..!
المُشكلة الثَّانية: أنَّ أحدَهم يَضع رَابط مَقالُه، ثُمَّ يُرسل لِي رسَالة خاصّة يَقول فِيها: أرجوك اعمل لِي إعَادَة، أو كَما يَقول الإنجليز “ريتويت”.. وفي هَذه الحَالَة أَظْهَر أمَام النَّاس وكأنَّني مُتهَافت عَلى مَقالهِ أو تَغريداته، ولا يَعلم النَّاس أنَّه أرسَل لِي -عَلى الخَاص- يَطلب منِّي ذَلك، ولَيتَ مَن يَطلب “ريتويت” يَضع حسَابي، أو كَما يَقولون: “يمنشنني”، لا، هو لا يَفعل ذَلك، بَل يَتظَاهر أمَام النَّاس، وكأنَّني أنَا مَن بَحثتُ عَن مَقاله، وفَرحتُ بِه..!
المُشكِلَة الثَّالِثَة -وهي لا تَقل عَن مَا قَبلها-: أنَّ أحدَهم يَطلب “ريتويت”، وإذَا اعتَذَرْت غَضب، وهُنَا أقُول لَه: اشرَب مِن مَاء البَحر، لأنَّ أصدقائي كُثر، ولَو فَعلت “ريتويت” لوَاحد، فلا بُد أنْ أفعَله للجَميع، وهُنَا تَتأكَّد مَقولة صَديقي المُتألق “خلف الحربي”؛ بأنَّني “مَلِك الرِّيتويت”..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَا قَوم، إذَا كُنتم تُريدون الثَّناء لأنفسِكم، و”كَيل” المَديح لَها، فكُونُوا صَريحين، واكتَسبوا ذَلك بعَرَق صَراحتكم، فأنَا –مَثلًا- إذَا أرَدتُ “رِيتويت” مِن صَديقي العَزيز “بتّال القوس”؛ أُطالبه بذَلك أمَام النَّاس، و”أمنشنه”، بغَض النَّظر عَن استَجابته لـ”الرِّيتويت” مِن عَدمه..!!! 
التصنيفات
المقالات

خلوة شرعية بأسرار نسائية ..!

يُقال: إنَّ الكِتَاب يَبدو مِن اسمِه، ولَيلة العِيد تَظهر مِن “عَصَاريها”، والجَوَاب يَتّضح مِن عنوَانه، وكُلّ هَذه المَقولات تَدلُّ عَلى شَيءٍ وَاحِد، وهو إعطَاء نَبْذَة صَغيرة عَن مُحتوى كَبير..!
ورَغم أنَّني ضِد سَلق الأشيَاء، والاستعجَال في الحُكم، إلَّا أنَّني هُنَا سأتوَاطَأ “مَع نَفسي”، ومَع تِلك الأمثَال العجلَى، لأتحدَّث عَن مُؤلَّفات المَرأة مِن خِلال عَناوينها، تِلك العَناوين التي تَبدو أوّل رمُوز تُصافح عَين القَارئ، ولَن أتحدَّث هُنَا عَن مُحتوَى الكُتب، بَل سأتحدَّث عَن عَنَاوينها، التي تُظهر رِقّة المَرأة، ونَرجسيّتها، ورُومَانسيّتها في اختيَار العَناوين..!
فمَثلاً هُنَاك كِتَابَان للمُؤلّفة “ليلى عسيران”، الأوّل اسمه “خَط الأفعَى”، والثَّاني اسمه “عَصافير الفَجر”، ولا أدري كَيف جَمَعَت المَرأة بَين الأفعَى رَمز الشّر، والعَصافير رَمز السَّلام والحُرّية؛ والوَديعين مِن أمثَالي..؟!
كَمَا أنَّني وَجدتُ كِتَابًا اسمه “أنظر إليك” للمُؤلِّفة “مرام المصري”، ومِن الكُتب التي تُصافحنا بعنَاوينها أيضًا، كِتَاب اسمه “امرَأة تَبْحَث عَن وَطن”، للمُؤلِّفة “ماريا معلوف”، وكِتَاب آخَر اسمه “خطوَات أُنثَى”، للمُؤلِّفة “ردينة الفيلالي”، ووَجدتُ –أيضًا- كِتَابًا اسمه “أثوَاب الحُزن”، للمُؤلِّفة “هدى السراري”..!
وإذَا كُنَّا نَعرف أنَّ لكُلِّ شَيء ظِلاً وَاحِدًا، فإنَّ عَناوين الكُتب تُخالفنا، إذ عَثرتُ عَلى كِتَاب يَحمل عنوَان “امرَأة وظلاّن”، للمُؤلِّفة “خلود عبدالله الخميس”، كَمَا وَجدتُ بجوَاره كِتَابًا آخَر اسمه “عَودة النَّبض”، للمُؤلِّفة “نوال نجم”..!
ولابد أنْ تَكون اللُّغة الأُنثويّة حَاضرة، لذَلك عَثرتُ عَلى كِتَاب اسمه “الحَريم اللُّغوي”، للمُؤلِّفة “يُسْرَى مُقدّم”، كَما وَجدتُ بجوَار هَذا الكِتَاب؛ كِتَابًا آخَر اسمه “بوح أُنثوي”، للمُؤلِّفة “منى دايخ”، وأخيرًا – ولَيس آخرًا – ولأنَّ خَاتمة كُلّ شَيء هو المَوت، وَجدتُ كِتَابًا اسمه “وَصيّة شَاعرة”، للمُؤلِّفة “ناهد عيد”..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَذا استعرَاضٌ “عَرفجي” – غَير مَنهجي – لعنَاوين أُنثويّة سَريعة، التقطتُها وأنَا أتجوَّل في إحدَى مَكتبَات دُبي، ولَو طَالت الجَولة لطَالت العنَاوين..!!.

التصنيفات
المقالات

استثمار الوقت في فضائل الصمت

الصّمت هو أنْ “تَأكُل تِبْنًا” وتَسكت، وتُطبق شَفتيك، وكَأنَّك تُوَاجه عَاصِفة مِن الغُبَار، لتَتوقَّف عَن إنتَاج الحَديث، وتَتحلَّى بفَضيلة الاستمَاع إلَى الآخَر، سَواء كَان هَذا الآخَر إنسَانًا، أو مَنظرًا طَبيعيًّا، أو عُصفورًا يُغرّد تَغريدًا نَبيلًا، لا يُشبه تَغريد بَعض الفيَلة في “تويتر”..!
وفي نَظري أنَّ الصّمت أنوَاع، فهُنَاك الصّمت العَربي، وهو صَمت يُمارس مُنذ آلَاف السِّنين، دون أن تَنتج عَنه أي حِكْمَة، أو فَضيلة، أو تَدبُّر، أو تَأمُّل.. إنَّه يُشبه صَمت العجُول والبَقَر؛ التي تَتأمَّل قُضبَان القطَار في بريطَانيا، مِن الصّباح إلَى المسَاء، وتَعود إلَى حَظائرها، دُون أن تَستفيد مِن هَذا الصَّمت الرَّهيب، ولَيتَ هَذا الصَّمت يُشبه صَمت الخرَاف المُجدي؛ الذي ألْهَم الأديب الأمريكي “تومَاس هَاريس”؛ ليَكتب روَاية “صَمت الحملَان – The Silence of the Lambs” الشَّهيرة، التي تَحوّلت عَام 1991 إلَى فِيلم سِينمَائي؛ مِن بطُولة السير “أنثوني هوبكنز”، والأمريكيّة “جودي فوستر”، حَيثُ فَاز بخَمس جَوَائز أوسكَار، وأربعين جَائزة أُخرَى عَالميّة، وحَلّ بالمرتَبَة الـ65، ضمن أعظَم 100 فِيلم خِلال 100 عَام، رَغم قصّته المُرعِبَة؛ التي تَدور حَول أسطُورة “هانيبال ليكتير”، الذي يَأكل لحُوم البَشَر..!
لَكن لنَعُد -والعَوْد أحمد العرفج- إلَى صَمت البَشَر، حَيثُ قَال شَيخُنا أبو سُفيان العَاصي: إنَّني لا أتَأمّل خَيرًا مِن العَربي حِين يَصمت، ولا أتوقَّع مِن صَمته أي حِكمة، بَل أتمنَّى فَقط أن يَكفيني شرّه، لأنَّ صَمت العَربي -غَالبًا- كصَمت المَرأة الذي يُنذر بمَكيدة أو مُؤَامرة، أو مُصيبة عَلى وَشَك أن تَقع..!
لقَد جَاء في الحَديث النَّبوي الشَّريف: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)، ومِن وصَايَا لُقمَان الحَكيم لابنه أنَّه قَال: (يا بُني إذَا افتَخر النَّاس بحُسن كَلامهم، فافتَخر أنتَ بحُسن صَمتك)، لَكنَّني أتوجَّس مِن صَمت الكَائِن العَربي، فهو قَد يُفكِّر في الخَير والشّرّ، حتَّى لَو وُضِع عَلى “الصَّامت”؛ مِثل جوّاله..!
أمَّا أهل الصّين العُظمَاء، ففي صَمتهم تَدبُّر، وفي سكُوتهم تَأمُّل، وقَد قَال شَيخُنَا الفيلسوف “عبدالرحمن المعمّر”: “إنَّ صَمت الصِّينيين نَاتِج عَن حِكْمَة وفِطْنَة، وعُمق تَفكير، بَينما صَمت العَربي اليَوم -غَالبًا- إمَّا أن يَكون غَباءً، أو عَجزًا، أو خَوفًا، أو انشغَالًا في الشَّرٍّ..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: إنَّ الصّمت فَضيلة، ولَكن يَقول العُلمَاء: “الصّمت أرخَص أركَان الحِكْمَة”، لذَلك تَرتفع قِيمة قَول كَلِمَة الحَق، في وَجه الظَّالِمين، ممَّا يُؤكِّد المَثَل القَائِل: “السَّاكِت عَن الحَق شَيطانٌ أَخرَس”..!!!. 
التصنيفات
المقالات

نعم.. أنا منسم

يجب على المرء أن يكون شجاعا، في تعرية ذاته، وكشف حماقاته، وما يعانيه من “تنسيم” يعلو فوق أفعاله وتصرفاته.
والمتابع لبعض التعليقات على مقالي، يجد أن الكثير منها يحاول أن يغمز بأنني “منسم” من الجهة الشرقية من جمجمتي الموقرة.. ومن كثرة التعليق على هذا الموضوع، بدأت أقتنع بهذا التنسيم، ولكني غير متأكد منه، لذا قررت أن أُخضع نفسي لكشف عملي، لمعرفة مدى صحة هذا التنسيم، فقمت بالتالي: وضعت رأسي في قدر صغير مملوء بالماء، ثم جلست أراقب الوضع، ويا للهول.. فعلا بدأت فقاعات الماء تتصاعد، مما يدل على أن الرأس فيه “تهريب هواء”، الأمر الذي جعل القراء على صواب، وأنا في الجانب الذي كله “هباب”.
ماذا أفعل الآن..؟! هرعت إلى الصديق العتيق الأمير “بدر بن سعود” بحكم أنه من أقرب الناس إلى القلب، وسردت عليه القصة فقال: بسيطة يا “أبا سفيان”، عليك أن تقوم بعمل “خرم تاني” في الجمجمة، حتى يُكوِّن “تيّارا”، فيصبح رأسك بخرمين أحدهما يستقبل، والثاني يرسل.
هذا كلام الصديق العتيق، ولأنني أُرحِّب بكل نقد، قبلت ما قاله، ولكني لم أُنفِّذه لأنه مؤلم، لذا حاولت القيام بأمر آخر، وهو سد هذا الخرم بقطعة لبان، أو رقعة صغيرة، ولكنني خفت أن يقل “إبداعي المتزايد”، خاصة وأن أحد أصدقائي المصريين قال لي: “إن سر إبداعك سببه الخرم الذي في رأسك”.
في النهاية أقول: اكتشفت بعد أخذ ورد مع الأصدقاء، أن التنسيم جاء إلى عقلي من التعليم، الذي استوطنه منذ أكثر من ثلاثين عاما.. فهو تعليم يبعث على الدروشة والجنون، فمرة يُقال لنا: إن هذا الأمر هو “غاية الصواب”، وبعد سنة نُعاتَب على تمسّكنا بما قيل لنا أنه صواب، وأنه أفضل أنواع الخِطاب، إنه تعليم يُعلّمنا “التناقض” و”الازدواجية”، لذا حمدت الله أن في رأسي فتحة صغيرة لتهريب “العلوم المخدرة”، أما أولئك الذين يُطالبون بسد الفتحة، وقفل محبس التنسيم، سأقول لهم سمعنا وعصينا.

التصنيفات
المقالات

الفصل والوصل في لقاء وزير العدل

حِين وَصَلَ صَديقي المُستشَار “سلطان بن زاحم” إلَى الرّياض الأسبُوع المَاضي، اتّصل بِي وقَال: (مَا رَأيك أن نَذهب أنَا وأنتَ وصَديقك “علي العلياني”؛ لنَشْرَب كَأسًا مِن الشَّاي مَع وَزير العَدل؟، فلديَّ مَعه اللّيلة لقَاء عِلمي وعَملي ذُو صِلَة بالشَّأن العَدْلِي).. فقُلت لَه: تَم.. وفعلاً استَقبلنَا مَعالي الوَزير الشّفاف الدّكتور “محمد العيسى” في مَكتبه، مِن السَّاعَة العَاشِرة وحتَّى الثَّانية عَشرة لَيلاً، ودَار حَديث عَدلي كَان وكُنَّا أحوَج مَا نَكون إلَى مِثله، والمُستَفيد في جميع الأحوَال الصَّالِح العَام..!
في تِلك اللّيلَة أخذنَا -عَلي وأنَا- نَتبَادل الأدوَار؛ في إمطَار مَعالي الوَزير بالأسئلَة، وكَان هو في مُنتهى الشَّفافية، حِينًا يَشرح، وحِينًا يُدافع، وحِينًا يُوضّح، ومَرَّة رَابعة يَعترف..!
كَما بَاح لَنَا مَعالي الوَزير -في تِلك اللّيلة ببَعض الأسرَار- قَائلاً: (أنتُم أيُّها الإعلاميّون تُطالبون بالفَصل الحَاد بَين السُّلطَات، ثُمَّ تَلتفُّون مَرّة أُخرَى، وتَطلبون مِن القضَاء تَقنين الشَّريعة، وأنتُم تَعرفون أنَّ وزَارة العَدل، والقَضَاء والقُضَاة هي جِهَات عَدليّة قَضائيّة ولَيست تَشريعيّة، وتَقنين القَضَاء مِن اختصَاص الجِهَات التَّشريعيّة، وفي طَليعتها -في هَذا الصَّدَد تَحديدًا- مِن جِهة الإقرَار هيئة كِبَار العُلَمَاء، ومِن جِهة التَّنظيم مَجلس الشّورى، ولذَلك أُحيلت فكرة المَشروع إلَى الهيئَة بأمر سِيَادي، للنَّظر في شَرعية إقرَاره، وتَمَّ ذَلك بضَوابِط مُعيّنة، رَتَّبتها الهيئَة بإحكَامٍ دَقيق)..!
في تِلك اللّيلة -أيضًا- دَار لَنَا مَع مَعالي الدّكتور “العيسى”؛ حوَار عَن المُقَاوَمَة التي يَجدها القَضَاء دَاخل الوزَارة مِن الحَرس القَديم، ذَلك الحَرس الذي يَرفض التَّطوير، ويُمانع الاستعَانَة بالتّقنية، ويُقَاوم سُرعة الإنجَاز، ولا يَروق لَه إلَّا بنَاء الموَاعيد بَعضها عَلى بَعض؛ عَلى رُكَام مِن الوعُود دُون إنجَاز، لتُشكِّل نَاطِحَات سُحب حقُوقيّة، تُمطر الألَم والحَسْرَة، وتَجعل الوزَارة ومَجلس القضَاء قَسرًا أمَام حِيرَة، لابُد مَعها مِن تَّدخل مجلس القضاء بجميع أدوَات حَزمه، مَهما كلّف الثَّمن، وهو مَا يُقدّر للوزَارة والمَجلس..!
لقد كَان الوَزير -مَع تَحفّظه الكَبير في كَشف الأورَاق- مُحتفيًا بقُضَاته، مُشفقًا عَليهم، لَكن المَرَارَة مِن بَعضهم تُستشف مِن السِّيَاق، ولَو تَذَاكَى بدبلُومَاسيّة الحوَار، فرَدّ عَليه أحدُنا مُتسائلاً: هَل هَذا تَستُّر القَاضي السَّابِق عَلى زُملَاء مهنَته؟، أم تَستُّر القيَادي عَلى رِجَاله..؟!
في تِلك اللّيلة، تَكلّم الوَزير عَن مَشروع تَدوين الأحكَام القَضائيّة، وذَكَر أحدُنا لَه قصّة؛ هي إلَى البُكَاء أقرَب مِنهَا إلَى الضّحك، حَيثُ عُثر في مسودّة مَشروع مُعد لنَشر الأحكَام القَضائيّة، لَكن تَم إجهَاضه عَلى يَد المُراجعة النَّهائيّة، أنَّه صَدَرَ حُكم بإلحَاق وَلد بأبيه؛ بَعد انفصَاله عَن أُمّه بأربَع سَنوَات، وهَذا الحُكم مُعتمد عَلى رَأي فِقهي ضَعيف يَقول: إنَّ مُدّة الحَمل قَد تَمتَد إلَى أربَع سنوَات، ومَع غَرابة الحُكم إلَّا أنَّه تَسلّل.. ثُمّ التَفتنا لمَعالي الوَزير وقُلنا بصَوتٍ وَاحد: (مَاذا لَو تُرجم هَذا الحُكم إلَى اللُّغَات الأجنَبيّة، ونُشر في وسَائل الإعلَام الغَربيّة.. كَيف سيَكون مَوقفنا؟ إنَّه نَصٌّ مَسرحي فَاخِر)..!
في تِلك اللّيلة قَال لَنَا: (إذَا اشتَريتم أرضًا في مَدينة كَذَا، فاطلبُوا رَفعًا مِسَاحيًّا للضَّمانة والدِّقة، كَما هو مَطلب كِتَابة العَدْل قَبل الإفرَاغ، لأنَّ جُملة مِن صكُوكها غَير مُطابقة لمَوقع الأرض الحَقيقي، حتّى تستكمل مُرَاجعة صكُوكها)..!
في تِلك اللّيلة -أيضًا- قَال لَنَا: (إنَّ الوزَارة شَطبت صكُوكًا مُزوّرة لنِصف مليَار مِتر مِن الأرَاضي، وأعَادتها للدَّولَة، وفي الطَّريق نِصف مليَار آخَر)..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: في تِلك اللّيلة، سَألتُ مَعالي الوَزير “محمد العيسى”؛ عَن التَّأخُّر الذي تُعاني مِنه المَرأة؛ التي تَلجأ إلَى المَحَاكِم للحصُول عَلى الخُلع، ممَّا يزيد مُعَانَاة المَرأة مُعاناة أُخرَى؟!.. فقَال الوَزير: (أعتَرف بحدُوث التَّأخير، ونَحنُ نَسْعَى لحلّه في القَريب العَاجِل)..!
التصنيفات
المقالات

حماقات الخطوط السعودية

اتصلت على صديقي الإعلامي وسألته: أين أنت؟ فقال: أنا في دبي. سألته مرّة أخرى: لماذا أنت في دبي؟ فقال: نحن في ضيافة الخطوط السعودية، أتينا عشرات الإعلاميين وأكثر؛ ومعنا طائفة كبيرة من منسوبي الخطوط السعودية، أتوا منتدبين -في انتداب يسيل له اللعاب- إلى هنا؛ لنحتفل بمرور خمسين سنة، لإقلاع أول رحلة للخطوط من المملكة إلى دبي، وكل هذه التكاليف تتكفّل بها “السعودية”.
كنت أثناء الاتصال “حايس” في مطار الرياض، أبحث عن مقعد ولا أجد، وكل مكاتب الخطوط مغلقة، وقتها كتبتُ تغريدة أقول فيها: (آخر حماقات الخطوط السعودية، أنها لمّت عشرات الإعلاميين وذهبت لدبي، لتحتفل بمرور ٥٠ سنة على تسيير أول رحلاتها إلى هناك.. فعلاً ناس فاضية تهوى الدعاية).
وقد حصلت هذه التغريدة على أكثر من خمسين “ريتويت”، مما يدل على احتقان الناس وتذمرهم؛ مما تفعله الخطوط، كما تعرّض موقع “تويتر” لردود أفعال مختلفة، لعل أهمها رد الفريق “ضاحي خلفان” الذي قال:
(ساروا مع الخيل والبيداء تعرفهم..
في نجدة الناس سلوا السيف بالشيم)!
بعد كل هذا أتساءل: أين هيئة مكافحة الفساد من ممارسات الخطوط، التي لا تأبه ولا تهتم لأحد، بالله عليكم، ما هذه المناسبة، وما الجدوى منها سوى افتعال سمج لدعاية باهتة؛ في محاولة لاسترضاء بعض الكُتَّاب وتسليتهم في دبي، حتى يرسموا صورة وردية لسمعة الخطوط، التي يشتكي منها القاصي والداني من الناس.. علماً بأنه إذا نشرت أي صحيفة محلية مواد تنتقد أداء الخطوط، تُحرم هذه الصحيفة من الصعود على طائراتها، أو الإعلان في صفحاتها.
أظننا بصدد عقد جديد للخطوط؛ لتحتفل كل شهر في مدينة مختلفة، فمثلاً، من المنتظر أن تقيم “السعودية” الشهر القادم احتفالاً بالقاهرة؛ بمناسبة مرور 55 سنة على تسيير أول رحلة إلى القاهرة، وبعد ستة أشهر، ستحتفل بمرور 10 سنوات على تسيير أول رحلة إلى مدينة مانشستر البريطانية، وستحتفل بعدها مباشرة بمرور 26 سنة وستة أشهر على تسيير أول رحلة إلى مقديشو… وهكذا تلم الخطوط ما هب ودب من الإعلاميين، لتصنع لهم الفرح، ناسية إصلاح نفسها، وتقويم اعوجاجها.
في النهاية أقول: أعرف أن القارئ المستعجل سيقول: إن هذا المقال ردّة فعل؛ لأنني لم أذهب ولم أُدعَ في هذه الرحلة المباركة، ولكن مَن يَعرفني يعلم أنني لستُ من المولعين بمثل هذه الرحلات الدعائية، كما أن مسؤولي الخطوط يعلمون أنهم قد حاولوا معي كثيراً، وكل محاولاتهم سقطت في صحراء الرفض.

التصنيفات
المقالات

شخبطة وطرطشة في مفهوم الدندشة

حِين كنتُ صَغيراً، كنتُ كغَيري مِن الفِتيَان المُولعين بالسيّارات ودَرجَاتها، ومَعرفة أنوَاعها، لأنَّ ذَلك الاهتمَام كَان وَسيلة لإشعَار الآخرين؛ بأنَّ الطّفل صَار كَبيراً..!
دَعوني أُحدِّثكم هُنَا عَن تِلك العَلاقة الحَميميّة، التي كَانت مُتأجِّجة في تِلك المَرحلة؛ بَين صَاحب السيّارة وسيّارته، وكَأنّها «عَروسة»، بَل هي «عَروسة»، لذَلك كَان بَعضهم يَكتب عَلى مُؤخِّرة سيّارته «مَحروسَة يَا عَروسَة»..!
ومِن مَظاهر تِلك العَلاقة الحَميميّة، وتَدليل السيّارة «الأنثَى»، أنَّها كَانت مطرّزة بأدوَات الزِّينة، مِثل الماكيَاج الذي تَضعه «الأُنثَى» عَلى وَجهها، فمَثلاً كَانت السيّارات –حِينذَاك- مُجلّدة «الطّبلون»، وعَلى أبوَاب السيّارة، كُنتَ تَجد صور الفنَّانين والفنَّانَات، مُجلّدة بغَطاء بَلاستيكي في الوَجه الدَّاخلي للبَاب..!
وكَان مِن مَظاهر تَدليل السيّارات –أيضاً- أنْ تَجد دَاخلها «لَمبات» حَمرَاء تُضيء؛ حِين يَضع السَّائِق قَدمه عَلى «الفَرَامِل»، لتَشعر أنَّك في «دِيسكو»، ولَيس في سيّارة..!
كَمَا أنَّ مِن مَظاهر تَدليل السيّارات –أيضاً- في تِلك المَرحلة، تَكحيل عيون السيّارات مِن الأمَام؛ باللَّون الأحمَر والأزرَق والأخضَر، لتَبدو السيّارة وكَأنَّها بَدويّة، تَرتدي بُرقعاً يَلفت الأنظَار..!
وكَان مِن مَظاهر زَخرفة السيّارات –أيضاً- وَضع «النّسافَات» خَلف «الكَفَرَات»، وكَأنَّها سَراويل لسَتر عَورة السيّارة..!
وأتذكّر –أيضاً- أنَّ مِن مَظاهر تَدليل السيّارات في ذلك الزمن، وَضع مُجسّم لطَائِر يَفرد جِنَاحيه عَلى «كبّوت» السيّارة، لتَبدو مُتأهّبة للتَّحليق..!
أكثَر مِن ذَلك، كَان أكثَر النَّاس يُعلّقون العقَال عَلى المرآة الدَّاخليّة، وأتذكَّر أنَّ أحَد البُسطاء سُئل ذَات مَرّة؛ عَن فَائدة المرآة الدَّاخليّة للسيّارة؟ فقَال: إنَّها مُخصّصة لوَضع العقَال عَليها..!
وكَان مِن ضِمن تَدليل السيّارات –أيضاً- تَلبيس مقود و»قير» السيّارة بلَونٍ جذّاب، وكَأنَّها قفَّازات أو «جوَانتي»، تَرتديها امرَأة لحمَاية بَشرتها..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: لَو تَماديتُ في تَعديد مَظَاهر تَدليل السيّارات «أيَّام زَمان»، لاحتَجتُ إلَى عَشرَات المَقَالَات، ولَكن يَكفيكم مِن الكِتَاب عنوَانه، ويَكفي أنْ تَجدوا -حتَّى اليَوم- مَحلّات لزينة السيّارات، تَحمل اسم «دلّع سيّارتك»، وكأنَّها أُنثَى لا تَحيا إلَّا بالدّلال.. وقَبل الخِتَام أقول: أين ذَهَبَ كُلّ ذَلك الدّلال؟ هَل تَركنا مَزايين السيّارات، واتّجهنَا إلَى مَزايين الإبل..؟!!! 
التصنيفات
المقالات

من نواصي أبي سفيان العاصي ( 34 )

نَظرًا للتفاعُل الكبير الذي تُستقبل بهِ النَواصي؛ لم يَكن أمَامي إلا أن أطرح منها المَزيد، وإليكُم الجَديد:
– كلما سَألتُ قريبة لِي: مَتَى تَذهبين إلَى السّوق؟ قالت: لا أذهَب إلى السّوق! وهُنَا أسأل هَؤلاء النّسوة اللاتي يَملأن الأسوَاق ويَشغلن الممرّات: هَل هَبَطْن مِن الفَضَاء..؟!
– لَو كنتُ شَاعرًا؛ فلن أكتُب قَصيدة في مَدح الكبرَاء والوجهَاء، بَل سأكتبها في ستّ الحبَايب أُمي “لولوة العجلان” – قمّصها الله ثياب العَافية..!
****
– لا أشقي نَفسي لأحصُل عَلى المَال، فالمَال رِزق لا يَأتي بالعَنَاء والتعب، وقد استعنتُ مُنذ طفُولتي بحِكْمَة تَقول: “لَو كَان المَال يَدْرَك بالتعب، لنَام الحِمَار عَلى سرير مِن ذهب”..!
– رَأيتُ بَاكستَانيًا يَحمل زهُورًا، فأُعجبتُ بِه، وسَألته عَن اسمه؟ فقَال: اسمي “مُشتَاق عَليم الله”..!
****
– حِين وَصلتني الثياب الجَديدة؛ التي “فَصّلها” لِي كَافِل اليَتيم “علي العلياني”؛ ارتديتُ أحدهَا وخَرجتُ قَبل مَوعدي بسَاعات؛ كَما كُنتُ أفعَل وأنَا صَغير، حَيثُ كُنتُ أرتَدي ثَوب العِيد مُنذ الثالثة فَجرًا؛ مِن شِدّة الفَرَح..!
– بَعض النّاس مِثل السجّاد الإيرَاني؛ كلما دُسته بقَدميك زَادت قِيمته..!
****
– أقول لمَن يُرسل لِي يَوميًّا مِئَات الأخبَار؛ عَن القَتل والشَّائِعَات المُغرضة: “تَفَاءل بالخَير تَجده، وتَذكَّر أنَّ مَا تَسعَى إليهِ يَسعى إليك”..!
– نَحنُ في زَمن الهيَاط، لذَا سأُهايط وأقول: أنَا مِن وَسَط البَحر الأبيض المُتوسِّط..!
****
– قَالوا: “لا يَأس مَع الحيَاة”.. هَذا صَحيح، ولكنَّنا تَركنا الحيَاة؛ وذَهَبْنَا مَع اليَأس حِين قُلنا: “لا حيَاة مَع اليَأس”..!
– قَال لِي أحدُهم: أُريدك أنْ تُقنعني بجدوَى القِرَاءة، فقُلتُ لَه: هَل قَالوا لَك أنَّني مُدير عَام الشَّركة السّعوديّة للإقنَاع؟! واعلَم –حَفَظَكَ الله- أنَّ آخر مَا يهمّني؛ هو أنْ تَسْمَع وجهة نَظري، فَضلًا عَن الاقتنَاع بِهَا..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: اللغة بَيننا “هَمزة وَصْل”، نُحوِّلها -أحيَانًا- إلَى “هَمزة قطع”..! 
التصنيفات
المقالات

لابد من اليمن.. وإن طال الزمن !

اليَمن؛ لَيس مُجرّد قِطْعَة جُغرَافيّة مِن مسَاحة الأرض، بَل هو مسَاحة مِن جُغرافيا القَلب، وخَارطة الوجدَان، التي تَربط العَرَب بأصُولِهم، ويَكفي أنَّ الأثَر النَّبوي يَقول: (الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْفِقْهُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ)..!
وفِي هَذه الأيَّام كَثُر الجَدَل حَول اليَمن، والانتسَاب لَه، لذا أُذكّر هُنَا أنَّ العَرَب -كَما يَقول المُؤرِّخون- تَرجع أصُولها إلَى اليَمن، وكَم تَمنّيتُ أنْ أكُون مِن أبنَاء اليَمن السَّعيد، الذي سَعدتُ بزيَارته، وتَعلَّمت مِن عُلمَائه وشُعرَائه وأُدبَائه..!
ومُنذ فَترة، وأنَا أُحدّث نَفسي بالكِتَابة عَن الشَّاعر اليَمني الكَبير “عبدالله البردوني” -رَحمه الله-، ذَلك الشَّاعِر الكَفيف الذي أذهَل المُبصرين، وحَيّر القَارئين والقَارئات بشِعره النَّادر، وبأسلُوبه السَّاحِر، وهَا هي الفُرصَة تَأتي لأقول عبَارة؛ آمُل أنْ تَتفكّروا فِيها جيدا.. أقول: اسألُوا أنفسكم: مَاذا لَو كَان البَردوني شَاعِراً مِصريًّا؛ ولَيس يَمانيًّا؟! فَقط تَخيّلوا هَذه الفَرضيّة، وتَفضّلوا بالإجَابَة عَن السُّؤال..!
إنَّ “البَردوني” شَاعر عَاش الألَم في اليَمن، ونَقَل لَنَا ذَلك الألَم، وعَاصر المُعَانَاة، وصَوّر لَنَا تِلك المُعَانَاة لنَعتصر مَعه حُزنا، فهو يَقول عَن نَفسه:
مُوَاطِن بِلاَ وَطَنْ
لأَنَّهُ مِنَ اليَمَنْ
ثُمَّ يُعرّج عَلى تَناقُضَات اليَمن، فيَقول في قَصيدته “الغَزو مِن الدَّاخِل”:
فَظِيعٌ جَهْلُ مَا يَجْرِي
وَأَفْظَعُ مِنْهُ أَنْ تَدْرِي
وَهَلْ تَدْرِينَ يَا صَنْعَا
مَن المُسْتَعْمِرُ السِّرِّي؟
غُزَاةٌ لاَ أُشَاهِدُهُمْ
وَسَيْفُ الغَزْوِ فِي صَدْرِي
فَقَدْ يَأْتُونَ تبْغاً فِي
سَجَائِرَ لَوْنُهَا يُغْرِي
وَفِي سِرْوَالِ أُسْتَاذٍ
وَتَحْتَ عمَامَةَ المُقْرِي
وَفِي أَقْرَاصِ مَنْعِ الحَمْلِ
وفِي أُنْبُوبَةِ الحِبْرِ
ويَقول في مَقطع آخَر مِن نَفس القَصيدة:
يَمَانِيُّونَ فِي المَنْفَى
وَمَنْفِيُّونَ فِي اليَمَنِ
جَنُوبِيُّونَ فِي صَنْعَا
شَمَالِيّونَ فِي عَدَنِ
وَمِنْ مُسْتَعْمِرٍ غَازٍ
إِلى مُسْتَعْمِرٍ وَطَنِي
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَذا هو شَاعرنا “عبدالله البردوني” -رَحمه الله-، فأهلاً بِهِ وسَهلاً، فنَحنُ مِن اليَمن، وإلَى اليَمن، فمِنه تَعلّمنا حُب الوَطن، وإن تَحوَّل إلَى كَفنٍ..!!!