التصنيفات
المقالات

رشّة عطر من نفحة شِعر

كُلّما هَربتُ مِن سِجن الشِّعر؛ أعَادتني إليهِ عَواطفي بالقوّة الجَبريّة، مُستخدمة السّلاح الوَردي المُتمثِّل في «الحَنين إلَى كَهف الكَلِمَات المُهاجرة؛ إلَى عُمق الذَّاكرة»..!
كَيف لَا أَعُود؛ حِين أقرَأ للشَّاعر الكَبير «أبوالفتح النحاس»، وهو يَقول في قَصيدة شَدَى بِهَا مُطربون كُثر يَقول في مَطلعها:
بَاتَ سَاجِي الطَّرْف والشَّوقُ يُلِحُّ
وَالدُّجَى إِنْ يَمْضِ جُنْحٌ يَأْتِ جُنْحُ
وَكَأَنَّ الشَّرْقَ بَابٌ لِلدُّجَى
مَا لَهُ خَوْفُ هجومِ الصُّبحِ فتحُ
ثُمَّ يَقول في كَلام كَأنَّه السّحر، شَاكيًا مِن بُعد الأحبَاب، وهِجرة النّوم، وطُول السَّهر:
لسْتُ أَشْكُو حَرْبَ جفني لِلْكَرى
لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ الدَّمْعِ صُلْحُ
ثُمَّ يُبيّن أنَّ الدّموع والبُكَاء هي الزّكاة؛ التي يَجب أنْ يَدفعها كُلّ مُحب، مِثل ذَلك السّحاب؛ الذي لا فَضل لَه إذَا لَم يَتحوّل إلَى مَطر مُنهمر، لذَلك يَقول:
إِنَّمَا حَالُ المُحِبِّين البُكَا
أَيُّ فَضْلٍ لِسَحَابٍ لاَ يَسِحُّ
يَا نَدَامَايَ وَأَيَّامَ الصِّبَا
هَلْ لَنَا رَجْعٌ وَهَلْ لِلْعُمْرِ فَسْحُ
صَبَّحَتْكَ المُزْنُ يَا دَارَ اللّوَى
كَانَ لِي فِيكَ خَلاَعَاتٌ وَشَطْحُ
حَيْثُ لِي شُغْلٌ بِأَجْفَانِ الظِّبَا
وَلِقَلْبِي مَرْهَمٌ مِنْهَا وَجُرْحُ
ثُمَّ يُصوّر لَنَا «النحاس» جرَاحه المُتعدِّدة، حَيثُ يُعالج جَرحًا ليَستيقظ جَرحٌ آخَر، لِذَا قَال:
كَمْ أُدَاوِي القَلْبَ قَلَّتْ حِيلَتِي
كُلَّمَا دَاوَيْتُ جُرْحًا سَالَ جُرْحُ
وفي النّهاية يَثور عَلينا الشَّاعر «أبوالفتح النحاس»، ويُهاجم مِن حَسّنوا القَول ولَطّفوه، ليَصفوا الابتعَاد عَن الوَطن بالغُربَة، ومَا عَلِمُوا أنَّ الغُربَة بكُلِّ أشكَالها تَذبح الأحرَار، لذَلك يَقول شَاعرنا:
حَسَّنُوا القَوْلَ وَقَالُوا غُرْبَةٌ
إنَّمَا الغُرْبَةُ لِلأَحْرَارِ ذَبْحُ
فَانْتَقِدْنِي واتّخِذْنِي بُلْبُلًا
صَدْحُهُ بَيْنَ يَدَيْ عَلْيَاكَ مَدْحُ
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَذه رشّة عِطر مِن ذَاكرتي حِين تَعود إلَى الشِّعر.. هَذا الشِّعر الذي أعتَبره سِلَاحًا لَفظيًّا، يَصرعني كُلّ يَوم.. أسأَل الله بأسمَائه الحُسنَى وصِفَاته العُليا؛ أنْ يَعصمني مِن جَحيم القَوافي، ومِن كُلِّ قَول غَير وَافٍ..!!!

التصنيفات
المقالات

لم أجد السكن.. فجعلتُ «يأسي» هو الوطن

تَقول العَرَب: إنَّ اليَأس أَحَد الرَّاحتين، فإذَا يَئستَ مِن شَيء، كَان لَك رَاحة، وإنْ حقّقتَه فهو الرَّاحَة الأُخرَى، لذَلك اختَرتُ في بَعض شُؤوني “اليَأس”، حتَّى أنَال إحدَى الرَّاحتين..!
ومِن الأشيَاء التي يَئستُ مِنها: أنْ أتملّك مَنزلاً صَغيراً؛ فِي هَذا الوَطن الكَبير، فقد رَأيتُ أنَّ المشوَار طَويل، والأمر مُكلّف، لذلك يَئستُ، واقتَديتُ بالسيّدة “آسيا” امرَأة فرعون التي قَالت: “رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ”..!
مِن هُنَا بَدأتُ أسأل الله أنْ يَرزقني مَسكناً في الجنّة، فالله -جلّ وعزّ- يُعطي الجنّة مَن يَشَاء بغَير حَساب..!
كَان هَذا اليَأس -أعنِي اليَأس مِن تَملُّك السَّكن- هو السَّائد في تَفكيري، والمُسيطر عَلى مُعتقدي، ولَكن حِين استُحدِثَت وزَارة للإسكَان تَولّى اليَأس وانصَرَف، وأتَى الأمَل وسَكن، وتَربَّع في قَلبي، 
واستولَى عَلى تَفكيري، وأصبحتُ مِن حِزب المُتفَائلين، الرَّاغبين في تَملُّك مَنزل في الحيَاة الدُّنيا قَبل الآخرَة..!
كَانت ولَادة هَذا الأمَل بُعيْد استحدَاث وزَارة الإسكَان، ولَكن مَع مرُور الوَقت، وتَلاشي الوعُود شَيئاً فشَيئاً، اغتَال أَملي طُول التَّأجيل، بَعد أنْ سَكن الأَمَل في دَاخلي لفترَاتٍ طَويلة، لذَلك أنَا هُنَا لا أنتَقد وزَارة الإسكَان، ولا أُحاسبها، ولَن أطلُب مِنها مَسكناً، فتِلك أمُور زَهدتُ أنَا بِهَا، والوزَارة لَن تَقدر عَليها، ولَكن مَا أُطالب بِهِ وزَارة الإسكَان؛ هو أنْ تَدفع لِي إيجَار ذَلك الأَمَل، الذي سَكَن في وجدَاني، وشَغَلَ حيزاً مِن تَفكيري دُون جدوَى، لأجد نَفسي أُُردّد عَلى مَسَامع الوزَارة؛ كَلِمَات الأُغنية التي غَنّاها المُطرب “عبدالمجيد عبدالله”، حِين قَال:
يَا سَاكِن بقَلبي وين اجِار السَّكن
هَاتهُ قَبل مَا تَكثر عَليك الدّيون
هَاته نَقد ولا شَي يُساوي الثَّمن
بَعض النَّاس مِثلي أي شَي يَقبلون
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: إنَّ وَعد “بلفُور” تَحقَّق عَلى الفَور، بينمَا وَعد مَعالي الصَّديق الدّكتور “شويش” يَمشي “بشويش”..!!!
التصنيفات
المقالات

البدو الجدد !

قال المفكر الروماني إميل سيوران، في واحدة من فلتات جنونه: “عصرنا سيكون موسومًا برومانسيّة معدومي الجنسية، بل إننا نرى منذ الآن عالمًا يتشكّل، حيث لا لأحد الحق في ادّعاء المُواطَنة، في كل مُواطن من مواطني اليوم يكمن غريب قادم”.
وإذا قدّر لك أن تحصل على هاتف جوال في بريطانيا، واتصلت تستفسر عن معلومة تخص هاتفك، فما عليك إلاَّ أن تُخبر عن رقمك السري، أو الرقم البريدي لتحصل على ما تحتاج.
وكل ما ذُكر لا يستدعي العجب، وما يستحقه -فعلاً- هو صوت الموظف الذي يرد عليك، فهو ليس بريطانيًّا، ولا يسكن فيها، إنّه موظف في شركة بريطانية، ولكنه هنديٌّ يعمل في الهند، أو بنغاليٌّ يستقر في دكا.
إنّه عصر الشركات العابرة للقارات، فالموظف يستوطن بلده، وبجوار أهله، ولكن مصدر دخله من شركة أوروبية ذات نشاطات لا محدودة.
لم يعد الزمان يتشبث بالمكان، لينتصر في النهاية الإنسان، الذي لا ينتمي إلاَّ للعمل، ولا يحسن إلاَّ لغة الشراكة.
بعد أحداث 11 سبتمبر، صعُب انتقال الأشخاص وسهل انتقال السلع، ومرور الأفكار، ولك أن تتصور أن آخر إبداعات “مايكروسوفت”، و”باناسونيك”، و”سانيو” أنهم بدأوا باختراع جوازات سفر خالية من الجنسية، لتحمل جنسية الشركة، فالجواز لا يحمل الديانة، ولا المواطنة، ولا الدولة، لتكون جنسية الموظف عطفًا على شركته، فيُقال جنسيته مايكروسوفتي، وهذا باناسونكي… إلخ.
ولا أعتقد أن العرب سيعبأون بهكذا قضية؛ إلاَّ من خلال اشتغال مجامع اللغة العربية المختلفة التي ستضيع الوقت بكيفية إلحاق “ياء النسب” لبعض الشركات مثل “ماريوت” هل ستقول: “ماريتيّ” أم “ماريوتيّ”؟!
إن قضايا “الشركات العابرة للقارات”، وتحوّل العالم من تسلّط الحكومات إلى منطق الشركات، أخذ في التكوّن، لذا من شيم العقلاء الاستعداد للحدث، حتّى لا تصدمنا الوقائع، ولا يفاجئنا الواقع.
في النهاية أقول: يا قوم، يجب أن نتغيّر لكي نُغيّر، ولنستعد لأصحاب الهويات الهجينة، والعمال المنتمين للشركات، أو كما يسمّيهم المفكر الفرنسي جاك أتالي: “البدو الجُدد”، أو كما أُسمّيهم “الغجر الجُدد”، فالعالم بدأ غجريًّا، وسيعود غجريًا، فطوبى للغجريين.

التصنيفات
المقالات

اجتماع الاتحاديين لدعم اللاعبين

في عَصريّة يَوم الجُمعَة المَاضي، هَاتفني الصَّديق العَتيق؛ والاتّحادي العَريق “طَارق الشَّامخ”، قَائلاً: يَا “أبَا سُفيان” لَدينا مُبادرة هَذا المَسَاء لزيَارة نَادي الاتّحاد، لبَث الحَمَاس في اللَّاعبين، وتَحفيزهم لتَجاوز الأهلي، قُلتُ لَه يَا “أبَا حَامد” عَلى الرّحب والسّعة، مَن سيَأتي مَعنا في هَذه الزيَارة؟ فقَال: رُؤسَاء الاتّحاد السَّابقين، وهُم الفَريق “أسعد عبدالكريم”، واللَّواء “محمد بن داخل”، والأستَاذ “طلعت لامي”، كَما سيَنضم إلينَا الأستَاذ “ماجد الحكير”، فقُلت لَه: سنَكون مَعكم أنَا وصَديقي العَزيز الإعلَامي “علي العلياني”، وفِعلاً ذَهبنَا إلَى النَّادي، وتَحدَّثنا إلَى اللَّاعبين في أجوَاءٍ أُسريّة اتّحاديّة، تَشتعل حَمَاساً وتَتألَّق حُبًّا..!
في تِلك الزيَارة، تَحدّثنا إلَى كُلِّ اللَّاعبين، وشَدَدْنَا مِن أَزرهم، وهُم بَادَرونا بالوعُود التي تُثلج الصَّدر، وتُؤكِّد أنَّنا مِن أصحَاب النّصر..!
في تِلك اللَّيلة، طَلبني رَئيس نَادي الاتَحاد، الأستاذ “إبراهيم البلوي”، وقَال لِي: “يَا أحمد”، لَا أحَد يُشكِّك في اتّحاديّتك، ونَحن فَخورون بِك، فإذَا أرَدتَ أن تطّلع عَلَى أي مَعلومة في النَّادي، فالنَّادي بَين يَديك، وكُلّنا نَعمل مِن أجَل مَصلحة هَذا الكيَان.. وَقتها شَكرتًُ الأستاذ “إبراهيم البلوي” عَلى مُبادرته، حَيثُ تَحدّثنا بمُفردنَا قرَابة النّصف سَاعة، واتّفقنا عَلى حُبِّ الاتّحاد، ونسيَان المَاضي، والالتفَاف حَول هَذا الكيَان العَظيم، الذي نَقترب مِنه كُلَّما اقتربنَا مِن الحيّاة..!
في تِلك الزِّيَارة، شَعرتُ مَا مَعنى أنْ تَكون اتّحاديًّا، تَحمل في كَفِّك اليُسْرَى أوجَاع النَّادي، وفي الكَفِّ اليُمنى تَفاؤلًا؛ بمُستقبل عَامِر بالانتصَارَات والبطولات..!
في تِلك اللَّيلَة، امتَزَجتُ بالأُسرَة الاتّحاديّة، ورَأيتُ الحَمَاس، وقَرأته في كُلِّ العيُون التي قَابلتها، وكَأنَّ هَذا النَّادي العَريق مِثل مَدينة “بَيروت”، كُلَّما تَعرَّضت للقَصف؛ خَرجت بَعده بثَوبٍ أجمَل وأكمَل وأفضَل..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَذه أوّل زيَارة لِي -ولصَديقي “علي العلياني”- للنَّادي بصفةٍ رَسميّة، ابتَهجنا بهَا، وتَعَاهدنا ألَّا تَكون الأُولَى أو الأخيرَة، ثُمَّ ابتَهلنا مَع الأُسرَة الاتّحادية، بأن يَكون النَّصر حَليف الاتّحاد في مُباراة اليَوم، التي أتمنَّى أن نَرى فِيها شَقاوة النّمور الصَّغيرة، أصحَاب الآمَال الكَبيرة..!!! 
التصنيفات
المقالات

انعدام الرومانسية

هناك قضايا يجب مناقشتها بصوتٍ عال، ولا يفيد معها التهامس أو الوشوشة، منها قضيّة “جفاف العواطف”، خاصة عند النساء، حيث تجد إحداهن تتمنى أن تسمع كلمة جميلة من زوجها، أو أخيها أو أبيها، لذلك تجد المرأة السعودية تفرح بأي ثناء، وتُطْرَب لأي مادح، بغض النظر هل كان المادح صادقاً.. أم أنه من الكاذبين.
وأكثر ما تتضح صورة -الفرح بالمديح- عند البائعين، فمتى دخلت المرأة مكاناً لشراء شيء من الملابس، أو “العبايات” وجرّبته، سألت البائع: أهو جميل عَليَّ أم لا..؟ وبالتَّأكيد أن البائع يهمّه تصريف بضاعته، لذلك سيقول لها: “يجنن عليك يا مدام”، وقتها لن تتردد المرأة في شرائه، حتى ولو كان بأغلى الأثمان، وسبب الشراء ليس رغبة في البضاعة، بقدر ما هو طرباً للمديح، الذي تتشوّق الأُنثى السعوديّة إلى سماعه.
ومن مظاهر الجفاف، أنك تجد نغمات الجوَّال عند المرأة؛ تدلُّ على البحث عن “رومانسيّة مفقودة”، فتجد أغنية “أحبك يا حبيبي”، أو أغنية “والله لأدعي عليك تحبني”، هي النغمة المضبوط عليها “رنّة الجوّال”.
كما تجد أن المرأة السعودية تميل للكلمات المعسولة، التي تجري على ألسنة بعض اللبنانيين أو المصريين، وإن كان قائلها لا يعنيها، ولكن أُذن المرأة التي تعاني من الجفاف العاطفي؛ تُطرَب لمثل هذه الكلمات، حتَّى ولو كانت كلمات قيلت من باب المجاملة، لذلك أخشى على المرأة أن تكون ضحيّة كلمات؛ ظاهرها الغزل وباطنها المجاملة.
في النهاية أقول: مسكينة هذه المرأة السعودية؛ التي تعاني مِن شدّة الأغلال في اللباس، ومِن شدّة القيود في الحركة والسفر، ثمَ تُبلى برجلٍ، الرومانسية والعاطفة في واد، وهو في وَادٍ آخر، كما أن الرجل مسكين أيضاً، حين يُطلب منه أن يكون عاطفياً مُتغزّلاً، ورومانسياً هائماً، في مجتمع لا يعرف مِن الرومانسية إلا أنها اسم لقصر أفراح في الرياض، كما أنه يُكابد في لقمة العيش، ويُعاني من يقظة نظام ساهر، ويخشى من المطر الذي يستغيث الله لينزله، فإذا نزل كان له بالمرصاد.

التصنيفات
المقالات

وضوح التعبير في شرح ثقافة التسخير

عِندَما أسَافر بَرًّا في بلادنا المُترَامية الأطرَاف، وأجد المَحطَّات والخَدَمَات، والمَطَاعم والاسترَاحَات، يَنتصب في ذِهني سُؤال مَفاده: مَن الذي أجبَر هَؤلاء الناس ليَكونوا مُسخّرين لَنَا في الصّحراء الشَّاسِعة الوَاسِعة، التي تمثِّل صَرخة في وَادٍ لا صَدى فِيه، كَما يَقول الشَّاعر الأمير “بدر بن عبدالمحسن”..
صَحيح أنَّ وَضع المَحطَّات بَين الطُّرق؛ يَتراوح بَين الرَّديء والأشَد رَدَاءَة، وصَحيح أنَّها تَمتَاز بالعَشوَائيّة والفَوضى، وقلة النظافَة، ولَكن مِثل هَذه السلبيّات لا تَلغي الإيجابيّة القائلة: إنَّ وجُود هَذه المَحطَّات -بوَضعها الرَّاهِن- أفضَل بألَف مَرّة مِن اضمحلَالها واختفَائها، خَاصَّة وأنَّ هُنَاك لَجنة وزَاريّة قَد شُكِّلت لتَحسين خَدَمَات تلك المَحطَّات..!
إنَّ مَن يَتأمَّل السُّنَن الكَونيّة، يَجد أنَّ نعمة التَّسخير مِن أفضَل النِّعَم؛ التي مَنّ الله بها عَلى عِبَاده، حَيث يَقول جَلّ وعَزّ (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم معِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ليَتخِذ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مما يَجْمَعُونَ). الآية (32). الزخرف..!
ومَن يَتأمّل العَامِلين والسَّاكنين؛ في تِلك المَحطَّات المُبعثرة عَلى طُرقات الوَطن، يدرك أبرَز صورة مِن صور التسخير، ذَلك المِيزَان الإلهي الذي جَعل الناس -دُون أنْ يَشعروا- خَدمًا لبَعض، فأنَا مسَافر ومَعي المَال، سَخّرني الله لخِدمة رَجل بلَا مَال وبلَا سَفر، ويَعيش غُرْبَة دَاخِل غُرْبَة، و”البَنْشَري” في تِلك المَحطَّات هو رَجُل لَديه مِهنَة بلَا مَال، وأنَا لَديَّ مَال بلا مِهنَة، وبذَلك نَتكَامَل، ليصبح النَّاس -كُلّ النَّاس- إمَّا مُبتدأ أو خَبرًا، ولا تَكتمل الجُملَة الاسميّة؛ إلا إذَا التَصق المُبتَدأ بالخَبَر..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: لله در الشَّاعر الذي اختَصر، وشَرَح، وبَيّن نَظرية التَّسخير في بَيتٍ وَاحِد، حِين قَال:
الناسُ لِلناسِ مِنْ بَدْوٍ وَحَاضِرَةٍ
بَعْضٌ لِبَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرُوا خَدَمُ
التصنيفات
المقالات

إرشاد العالَمين لمفهوم غفلة الصالحين

إنَّ العُلَمَاء دَائمًا يَنشغلون في العِلْم، فيَصرفهم عَن الدُّنيا ومَبَاهجها وفِتنتها، بَل إنَّهم غَالبًا مَا يَكونون في حَالة ذهُول، بحَيثُ يَرَى الوَاحِد مِنهم الكِتَاب الذي عَلى الطَّاولة، ويَنسَى مَا حَول الكِتَاب مِن أشيَاء، لأنَّ نَظره مُنصبٌّ عَلى العِلْم والمَعرفة..!
وحتَّى لا نَتوه في التَّنظير، دَعونا “نَصقع” الأمثَال ببَعضها، لتّتضح الأمور، وتَذهب القشُور..!
مَثلاً: كَان الإمَام “ابن تيمية” مَشغولاً في العِلْم وطَلبه، حتَّى أنسَاه هَذا الانشغَال الزَّواج، ومَا تَحويه النِّسَاء مِن مَفَاتِن، وقد سَمّى بَعض العُلَمَاء هَذه الظَّاهرة بـ”غَفلة الصَّالحين”..!
ومِن غَفلة الصَّالحين أنَّ العَالِم “نيوتن” كَان -ذَاتَ مَرَّة- يُجري تَجاربه العِلْميّة في المُختبر، وكَان عِنده كَلب يُزعجه برَفس البَاب كُلَّما أرَاد الدّخول، ففَكَّر “نيوتن” بطَريقة يَدخل بهَا الكَلب دُون أن يُزعجه، حتَّى اهتدَى إلَى استحدَاث فَتحة في البَاب، ليَتمكَّن الكَلب مِن الدّخول والخرُوج بمَفرده، وهَكذا حُلت المُشكلة.. وبَعد مرُور أيَّام، اشترَى “نيوتن” جَروًا صَغيرًا، وعَاد للمُختبر ليَفتح لَه فَتحة أُخرَى -كَما فَعل للكَلب- ليَدخل مِنها الجَرو ويَخرج دُون إزعَاجه، ونَسي “نيوتن” أنَّ الجَرو؛ يَستطيع الدّخول -أيضًا- مِن الفَتحة الكَبيرة التي استُحدثت للكَلب مُسبقًا..!
ونَظرًا لأنَّني مِن الزُّهاد، ومِن عُمّال المَعرفة الكَادحين، فإنَّني كُنتُ في زيَارة قَبل أيَّام إلَى البَنك السّعودي البريطَاني، حَيثُ يُوجد حِسَابي، فقُلت لَهم: أُريد أنْ أفتَح مَحفظة أسهُم، فقَالوا: يَا غَافل، إنَّ لَديك مَحفظة مُنذ سَبع سَنوَات، وفِيها مَبلغ جيّد مِن المَال.. والذي نَفسي بيَده أنَّ هَذا مَا حَصَل بالفِعل مِن غَير مُبَالغة..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: مَتَى شَعرتم أنَّكُم وَصلتم إلَى هَذه المَرحلة مِن الغَفلة؛ التي مَرَّت عَلى العُلَمَاء السَّابقين مِن أمثَال “ابن تيمية”، و”نيوتن”، واللَّاحقين مِن أمثَال “ابن عرفج”، فاعْلَمُوا أنَّ “غَفلة الصَّالحين” قَد أدركتكُم..!! 
التصنيفات
المقالات

جرّ الربابة على المحسوبيات في الكتابة

اعتَاد الإنسَان العَربي أنْ يُحمِّل أخطَاءه لغَيره، وأنْ يَنسب قصُوره وضَعف مَوهبته إلَى البيئَة التي جَاء مِنها، وللمُحيط الذي عَاش فِيهِ..!
خُذ مَثلاً: ذَاتَ مَرَّة قَال أَحد المُدرِّبين الوَطنيين: 

إنَّ مَن يُعاديه يُعادي نَاديه الذي يُدرِّبه، وأيضًا ذَكَر أحَد الدُّعَاة المَعروفين أنَّ مَن يَنتقده؛ كَأنَّما يَنتقد الدَّعوَة، كَما قَرَأتُ تَصريحاً مُشابهًا لشَاعر إسلَامي كَبير، يَقول فِيهِ: إنَّ الهجُوم عَلى شِعره الإسلَامي؛ هو جُزء مِن الهجُوم عَلَى الأدَب الإسلَامي المُبَارك..!
وهَكَذَا نَجد الأمثلَة كَثيرة.. وقَد تَسرّب هَذا الوَهم إلَى صِغَار الكُتّاب، أو ضُعفَاء المَوهبة، الذين يُريدون أنْ يَكتبوا في الصُّحف، وقَد قَابلتُ أكثَر مِن شَخص يَمتلك مَوهبة مُتواضِعَة أو رَديئة، قَابلته وهو يَقول: والله يَا “أحمَد”، أتمنَّى أنْ أكتُب في إحدَى الصُّحف، ولَكن مَع الأسَف أنَّ الصُّحف لا يَكتب فِيها إلَّا أصحَاب المَحسوبيّات والوَاسطَات، أمَّا نَحنُ -وهو يَتحدَّث عَن نَفسه- أصحَاب المَوهبة، فلَنَا الله..!
حِين قَال هَذا الكَلَام؛ غَضبتُ غَضبة عَرفجيّة مَعروفة، وقُلتُ لَه: ثَكلتكَ أُمّك يَا هَذا، لأنَّكَ أخطَأتَ التَّقييم.. نَعم إنَّني أتّفق مَعك أنَّ هُنَاك مَا نسبَته 10- 15% مِن الكُتّاب؛ تُقدّمهم الوَاسطَات والمَحسوبيّات، ومَكانتهم “البرستيجيّة”، أمَّا البَقيّة البَاقية مِن الكُتّاب؛ فإنَّهم أخذُوها بعَرق الجبين، والحَرْف المَتين، الذي يَكتبونه مَع كُلِّ إشرَاقة صَبَاح مُبين..!
سأُحدّثك -يَا هَذا- عَن نَفسي، وعَن اثنين مِن الصَّعاليك، وهُمَا الزَّميلَان العَزيزان “فهد الأحمدي، وخلف الحربي”، فهَؤلاء الثَّلاثة خَرجوا إلَى الدُّنيا؛ وفي أفوَاههم مَلاعق مِن تُرَاب، وأخذُوا يَكتبون ويَكتبون، ويَتنقّلون ويَرحلون، مِن مَكانٍ إلَى آخَر، حتَّى استَقر بِهم المَقَام أن يَكونوا كُتَّابًا في الصَّفحة الأخيرَة؛ في الصُّحف التي يَكتبون فِيها.. ووالذي نَفس “أحمد العرفج” بيَده أنَّ هَؤلاء الثَّلاثة؛ لا يَملكون مِن الوَاسطَات والمَحسوبيّات إلَّا مَوهبة الكِتَابة، واحترَاف رَسم الكَلِمَة، والنَّبش في أحَافير الحرُوف؛ التي تُخبَز كُلّ يَوم، وتَخرُج للنَّاس عَبر أفرَان الصُّحف..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: أيُّها النَّاس اهتمّوا بمَواهبكم، ونَمّوها، ولا تُغطّوا ضَعف مَوهبتكم بانتقَاص جهُود الآخرين، والتَّقليل مِن كِفَاحهم، حِين تَنسبون نَجاحهم لَا إلَى الكِتَابة، بَل إلَى الوَاسطة التي تَدفعهم إلَى النَّجَاح..!!

التصنيفات
المقالات

نقدٌ عابر من صديقي جابر..!

تَصلني كُلّ يَوم عَشرَات الرَّسَائِل مِن أصدقَاءٍ وأُدبَاء، ووجهَاءٍ وكُبرَاء، فأقرَأها وأَطير بِهَا فَرحاً، لأنَّهَا مَحشوّة بالانطبَاع السَّريع؛ الذي يَدلُّ عَلى الصِّدق، ولَكنَّها في الغَالِب تَكون قَصيرة، ومُتعدِّدة المَوضُوعَات..!

ومُؤخَّراً تَداول النَّاس في المُنتديَات ومَجموعات «الواتس أب»، رِسَالة كَتَبَها الإعلَامي الرَّصين؛ والصَّديق المَتين «جابر القرني»، ونَظراً لأنَّ الرِّسَالة تَمَّ تَداولها في المَنَاخ الافترَاضي، وأعني بِهِ وَسَائِل الإعلام البَديلة، استَأذنتُ صَديقي البَهي الوَفي «جابر»، بأنْ تَكون ضِمن مَقالي العَددي يَوم الأربعَاء، فاعتَذر مِن خَجله الجَم وقَال: الأمر لَك، رَغم أنَّني كَتبتُها عَلى عَجَل.. لذَلك هَا أنَا أَنْشُر الرِّسَالة لأنَّها مَليئة بالصِّدق والدِّقّة، ولَا أُبَالغ إذَا قُلت: إنَّني سأُعلّقها في مَدخل مَنزلي..!

تَقول الرِّسَالَة:

(تَأخَّرتُ كَثيراً، لَا أَدري لمَاذَا.. وتَابعتُ -لأوّل مَرَّة هَذه الليلَة- «أحمد العرفج» على روتَانَا خَليجيّة، في برنَامج (يَا هَلا.. بالعَرفج)، مَع المُذيع المُتألِّق «علي العلياني»، كُنتُ أنتَظر أنْ أُشَاهِد شَخصيّة هَزلية، غَير جَادّة، كَاريكاتوريّة، رُبَّما تَشكَّل هَذا الانطبَاع مِن مُتابعتي لمَقَالاته، أو تَغريداته في «تويتر»، أو مَا يُكتب عَنه مِن عِبَاراتٍ لَاذِعَة، بَعضها مَصدرها «أحمد» نَفسه..!

إضَافةً إلَى صُورهِ التي يَنشرها بَين حِينٍ وآخَر، تَعتقد للوَهلة الأُولَى أنَّها لأحَد المُستشرقين القَادمين مِن الغَرب، يَدعم هَذا الانطبَاع البُرنِيطَة؛ والشَّنَب المَفقود..!

اللَّيلَة فَاجأني «العرفج» بحضُورٍ أَنيق في الشَّكل أوّلاً، وفي الطلّة التّلفزيونيّة ثَانياً، ثُمَّ ثَالثاً، بحَديثهِ الآسِر، وعِبَارَاته الجَميلة العَميقة، ووَعيه الذي لَم يُصادره ظُرفه غَير المُصطنع، وروحه المَرِحَة، وقَفشَاته المُميَّزة.. لهَذا كُلّه أَقول: هَزَمني صَديقي القَديم «أحمد العرفج» واستَمْتَعتُ بحَلَاوة الهَزيمة..!

حَبيبي «أحمد»، أرجو أن تَقبل صَراحتي؛ كَما تَقبّلت أنَا هَزيمتك لِي. دُمت بود أيُّها المُبدع)..! انتَهت.

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!

بَقي القَول: هَذا كَلام «جَابر» أَنثُره بَين يَديكم، ولَكُم الخيَار في قبُول كَلامه، أو الانقلَاب عَليه..!!!.

التصنيفات
المقالات

المشكلات والضرر من متابعي تويتر

قَبل ظهُور وَسَائِل التَّواصُل الاجتمَاعي؛ كَانت النَّاس تَعيش في مُشكلاتٍ وخِلَافَات، حَيثُ تَتخَاصم وتَتنَافر، ثُمَّ جَاء الأخ «تويتر» وزَاد مِن هَذه المُشكلات، وسبَّب خِلَافات هي عند العُقلَاء مِن التَّفَاهَات، ولَكن مَاذا أفعَل؛ إذَا كَان المُجتمع سَريع التَّفاعُل مَع التَّافِه..!
ثُمَّ مَاذا أَعني -هُنَا- بمُشكلات «تويتر»؟ إليكُم الحِكَايَة:
مَثلاً، تَجد أَحد الأصدقَاء يَعمل لِي إضَافَة في «تويتر»، ويُتابعني في البدَاية وهو مُتحمِّس، وبَعد يَوم أو يَومين، يُرسل لِي رِسَالة عَلى الجوّال قَائلاً: أنَا زَعلان مِنك يَا «أحمد»، لمَاذا أُتابعك في «تويتر» ولا تُتابعني؟ ومِثل هَذه المُشكلة تَحصل دَائمًا، وأَرَى أنَّها لَا تَستحق مِثل هَذا الغَضَب، لأنَّ مَن يُتابعني بمَحض إرَادته؛ يَجب أنْ يَعمل هَذا الفِعل دُون انتظَار الرَّد منِّي، لأنَّ بضَاعتي قَد تَروق لَه، وبضَاعته لَا تَروق لِي، بمعنَى مِن المَعاني: (إذَا تَابعتني، لا يَعني بالضَّرورة أنَّه يَجب عَليَّ أنْ أُتَابعك)..!
يَا قَوم، إنَّ «تويتر» مَناخاتٌ واتّجَاهاتٌ، وكيمياءٌ واهتمَامَاتٌ، فأنتَ قَد تَجد عندي مَا يَستحق المُتَابعة، ولَكن قَد لا أجد عندك مَا يَستحق منِّي تِلك المُتابعة، فعَلَى سَبيل المِثَال: أنَا لا أُتابع مَن كَانت تَغريداته تَدور حَول «عَلاقة أمريكَا بإيرَان»، وتَحرُّكَات «وَزير خَارجية طَهران».. وفي المُقَابل تَرانِي أُتَابع -مَثلاً- تَغريدَات بَعض المَسؤولين الإسرَائيليين، مِن أمثَال نتنياهو، حتَّى أَعرف إلَى أين تَتّجه السّياسة الإسرَائيليّة، وكَذلك تَطبيق قَاعدة «اعرَف عَدوّك»، ومع ذلك هُم لَا يُتابعونني..!
كَما أنَّني أُتَابع تَغريدات السيّد أوباما، وهو لا يُتابعني، ولَم أطلُب مِنه ذَلك، لأنَّ أوباما يُضيف إليَّ، وأعرَف مِن تَغريداته إلَى أين تَتّجه السّياسة الأمريكيّة..!
أكثَر مِن ذَلك، فلأنَّني أُحب أنْ أَعيش في سَلامٍ دَاخليٍّ مَع نَفسي، وأبحَث عَن كُلِّ مَا يُبهج ويُسعد قَلبي، فإنَّني لا أُتابع مَن يَتسابقون في نَشر الأخبَار السيّئة، لأنَّ لَديَّ مِن الأحزَان مَا يَكفيني..!
إنَّ عُمري ووَقتي أثمَن مِن أنْ أُضيّعه؛ في مُلاحقة الأخبَار التي لَا تَمسُّ دَوائري وكيَاني، ولا تَرفع مِن ثَقافتي، كَما أنَّ مَا يَروق لـ»عمرو» قَد لا يَروق لـ»زيد»..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَا أيُّها المُتابعون النُّبلَاء في «تويتر»، إذَا تَابعتم المَرء بمَحض إرَادتكم؛ فلا تُجبروه بأنْ يُتابعكم، وهَذه مِن أبسَط حقُوق الإنسَان في اختيَارَاته..!!