التصنيفات
المقالات

إحياء واسترداد لرخصة الإبراد

هُناك سُنن مَهجورة، وأمُور مُستحبّة في الإسلَام لابدّ مِن إعَادتها، خَاصَّة وأنَّها تُعطي وتُظهر جَانب التَّسامح في الإسلَام، ومِن ذَلك “صلَاة الإبرَاد”، التي وَردت عَن النّبيّ -صلّى الله عَليه وبَارك-..!
وقَبل أن نَدخل في تَعريف “صلَاة الإبرَاد”، إليكُم هَذا الخَبر -الذي نُشر في صحيفَة اليَوم بتاريخ 14/7/2014-: (أجَاز مُدير إدَارة الأوقَاف والمسَاجد؛ والدَّعوَة والإرشَاد بالأحسَاء، الشَّيخ “أحمد الهاشم” في تَصريح لـ جريدة “اليوم”، تَأخير صَلَاة الظُّهر في المسَاجد حتَّى قبيل صَلاة العَصر، وذَلك بسَبَب ارتفَاع درجَات الحرَارة التي تَجاوزت 45 دَرجة، وأضَاف “الهاشم”: إنَّ هَذا الأَمر يَرجع إلَى جَمَاعة المَسجد، واستَطاعتهم عَلى أدَاء الصَّلاة أوّل الظّهر، فإنْ شَقَّ عَليهم، فيَجوز لَهم الإبرَاد مَع حرَارة الشَّمس المُرتَفعة، مِثل مَا سيَتم عَمله في أَحَد مَسَاجد الأحسَاء، ونَفَى الشَّيخ “الهاشم” إرسَال خِطَابَات مِن مَكتب إدَارة المَسَاجد والإرشَاد بالأحسَاء؛ بإلزَام الأئمة بتَأخير صَلَاة الظّهر، حَيثُ إنَّ المَجَال فيهِ اجتهَاد للإمَام، ولا يَجب عَلينا تَقييده والتَّشديد فِيه، خَاصَّة في هَذا الشَّهر الفَضيل، فحرَارة الشَّمس تُؤثِّر عَلى الصيّام واحتيَاجهم للمَاء، وأكَّد أنَّ تَبكير الصّلاة أفضَل، لَكن النَّبي صلَّى الله عَليه وسَلّم قَال: “إذَا اشتدّ الحرّ فأبردوا بالصّلاة، فإنّ شِدّة الحرّ مِن فيْح جهنّم”)..!
أمَّا تَعريف “الإبرَاد” فهو تَأخير الظّهر في شدّة الحرّ؛ إلَى أن يَبرد الوَقت، ويَنكسر الوَهج..!
إنَّ مِثل هَذه “الفَضيلة” -وأعني فَضيلة الإبرَاد- يَجب أنْ نَستثمرها خَير استثمَار، طَالَما أنَّنا نَعيش في وَهج الحَرّ، ونَحتاج إلَى البرَاد والإبرَاد..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: لَا أَدري لمَاذا تَنْتَبه الأوقَاف؛ وتُضيِّق عَلى مَن يُحيون سنّة صَلاة الإبرَاد؟! في حِين تَغفل الأوقَاف عَن مُستخدمي مُكبّرات الصّوت؛ لغَير الأذَان والإقَامَة، مُخالفين بذَلك تَعاميم الوزَارة..!!! 
التصنيفات
المقالات

افرحوا بالعيد رغم أنف كل عنيد

في كُلِّ سَنَة أكتُب عَن أَهمّية العِيد، ووجُوب الفَرَح فِيهِ، ومَن لَم يَستطع الفَرَح؛ فالوَاجِب عَليه أنْ يَتفَارَح، حتَّى يَتمَاشى مَع المَجموع، ويَنسجم مَع الجَمَاعَة، ويَتوافَق مَع المُجتمع..!
مُنذ سَنوَات وأنَا أُكرِّر نَفس هَذه الوَصيّة، لأنَّني لَاحظتُ طَائفة غَير قَليلة مِن الأُدبَاء، والمُفكِّرين وكِبَار السّن، حِين يَأتي العيد، وتَسأله: كَيف أنتَ والعيد؟ فيَقول لَك بَعد أنْ يَتنفّس تَنفُّساً عَميقاً، ويَنفث الهوَاء المَشحون بالتَّشاؤم؛ في الفَضَاء الذي أمَامَه.. يَقول: “عِيد بأيّة حَال عُدت يَا عِيد”..؟!
إنَّ هَذا الشَّطر مِن بَيت قَاله المُتنبِّي قَبل أَلف سَنَة، ومَازَال المُثقَّف التَّعيس يُعيده ويُكرّره، مُوهماً نَفسه أنَّه يَحمل جرَاحَات المُتنبِّي، وآلَامه، وعَذَابَاتَه..!
إنَّ روح التَّشاؤم والإحبَاط والاكتِئاب، التي تُلازم المُثقَّف في كُلِّ عِيد، قَضيّة غَير مُبرّرة، وغَير مَقبولة، ولا يَليق بنَا أن نَستورد أحزَان المُتنبِّي في عِيده؛ لنَصبغ بهَا أعيَادنا، لأنَّ لكُلِّ عِيد حَالته، ونَحن نَعيش في أحسَن الحَالَات..!
إنَّني أُحب شَاعرنا الكَبير “حسن صيرفي”، وأَحترم شِعره، وكُنت كُلَّما زُرته؛ قبَّلتُه بَين عَينيه، ولَكنَّني سأُخَالفه -رَحمه الله- في نَظرته للعِيد حِين قَال:
يَا عِيدُ عُدْتَ كَسَائِرِ العَادَاتِ
سُنَنُ الحَيَاةِ رَتِيبَةُ المِيقَاتِ
قَدْ كُنْتُ أَفْرَحُ فِي الطُّفُولَةِ عِنْدَمَا
تَأْتِي وَأَنْتَ اليَوْمَ مِنْ نَكَبَاتِي
نَعم إنَّني أختَلف مَع العَم “حسن”، وسأَقول لَه: سَمعنا وعَصينَا، لأنَّ العيد حَالَة سَعادة لَا عَادة..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَا قَوم، افرَحوا بالعيد واستَمْتَعوا بِه، فالعُمر مَرَّة وَاحِدة، ومَن يَدري؛ هَل سنَعيش لنُدرك العِيد القَادِم أَم لَا؟ فالعِيد سَعادة، والفَرح بِه نَوعٌ مِن العبَادة، لذَلك قَررتُ أنْ أتزوَّج السَّعادَة..!!!

التصنيفات
المقالات

الأهواء تفضحها الأزياء

بين فترة وأخرى تظهر قضية الأزياء؛ على اعتبار أنها كائن حي؛ تجري عليها سنن الكون من القدامة والحداثة، والأصالة والمعاصرة، وهذا ما القلم بصدد الحديث عنه.
في بريطانيا، هناك عشرات الكتب التي تقول: (You are what you wear)، والمعنى أنك عبارة عمّا تلبس.
ومن الناحية العربية، تقول الدكتورة “ثريا نصر” في كتابها الكبير (تاريخ أزياء الشعوب) بأن “الزي يتحدد لأي شعب من الشعوب؛ تبعا للمناخ والموارد الطبيعية المحلية المتاحة لصنع هذا الزي، ثم تتدخل عدة عوامل دينية واجتماعية واقتصادية، وكذلك البراعة الفنية”.
ولكن هل قالت الدكتورة “ثريا” كل الحقيقة؟ لا يبدو ذلك، فما لم تقله الدكتورة: أن العالم -الآن- يتوحد على طريقة غير مسبوقة، فالمصانع عالمية، والاستهلاك كوني، وما يصنع في انجلترا -مثل “Burberry”- يلبسه أثرياء وثريات السعودية، وما يصنع في المغرب -بوصفه زيا رسميا- يلبسه السعوديون بوصفه ملابس منزلية تلبس “وقت الراحة والنوم”.
سيدي القارئ.. يكفي أن تعلم أن ثياب الدفة والأصيل وغيرهما؛ تصنع في غير أوطان مستهلكيها، الأمر الذي يؤكد أن ما يلبسه القوم؛ هو “لباس البيئة وليس لباس العقيدة”.
ولو نظرنا إلى الشعوب الأوروبية، لوجدنا أنها توحدت في الأزياء، وأبقت ملابسها التقليدية “علامة فارقة”؛ تُلبس أيام المهرجانات والاحتفالات الوطنية، بوصفها “شاهدا تاريخيا” على النمو والتغيير.
وقد أكد علماء الأنثروبولوجيا الثقافية مرارا وتكرارا –كما تقول الدكتورة ثريا- أن الثقافة المحلية مسؤولة عن الجزء الأكبر من محتوى أي شخصية، وكذلك هي –أيضا- مسؤولة عن الجزء الأكبر من المظهر الخارجي للشخصية، حين تبرز شيئا معينا لاعتبارات دينية.. مثل اللحية عند المسلم، والصليب عند المسيحي، والطاقية عند اليهودي.. الخ.
ولله ما أجمل قول المفكر “محمود عباس العقاد” حين كتب جملته المشهورة: “ملابسنا تُحدّدنا”، فالصعيدي تفضحه ملابسه، واليمني تنادي عليه جنبيته، والسعودي يكشف سره شماغه “وغير ذلك من الملابس”، والكردي تسميه عمامته، والاسكتلندي موسوم بسراويله، والسوداني بثوبه الذي يقع على شارعين كأنه “فيلا لأحد الأثرياء”.. وهكذا.
في النهاية أقول: يا قوم، متى نعرف أن الملابس هم مشترك..؟! ولا يعتقد أحد أنها قضية تافهة، بل أمرها عظيم، وإن كان الكثير يرى أنها ليست أكثر من ترف محدود صغير.

التصنيفات
المقالات

تفجير الديناميت في أعداء الإيتكيت

تُحَاول هَذه الزَّاوية أنْ تَكون مَنَارة للكَلَام، وشُعَاعاً يَرسم بَعض “الإتيكيت”؛ لطَريقة تَعامُل النَّاس في كُلِّ شَيء، مِن الطَّعام إلَى السَّلام، ومِن السَّلام إلَى الطَّعام..!
إنَّ المُتَابع لشَأن الدَّعوَات و”العَزايم” في السّعوديّة، يُدرك أنَّنا بحَاجَة مَاسة إلَى تَعلُّم الكَثير مِن الآدَاب، التي هي عِند الأُمَم الأُخرَى مِن الأسَاسيّات والأوّليات والبَديهيّات.. وهَاك بَعضاً مِن الصّور التي يَجب أنْ نَتعلَّمها:
الصّورة الأُولَى: تَكون مَع قَوم وأنتُم عَلى طَعَام، ثُمَّ يَدخل عَليكم أَحَد، ويَرْغَب في السَّلام أثنَاء أَكل الطَّعام، حِينها يَقوم القَوم للسَّلام عَليه، وأَيديهم مُلطّخة بالأَكل والزّفَر والخُبز، كَما يُصاحب ذَلك نَثر وكَبّ بَعض الأوَاني التي عَلى المَائِدة، وكُلّ هَذا بسَبَب السَّلام، وَقتها تَذكَّرتُ جُملة فَيلسوفنا “عبدالرحمن المعمّر” لمّا قَال: (إذَا كَانت هَذه الصّحون المُتَطايرة، وهَذه الفَوضَى مِن أَجل السَّلام، فمَاذا ستَكون نَتيجة الحَرب)..؟!
الصّورة الثَّانية: تَكون عَلى مَائدة الإفطَار في رَمضَان، في حَفلٍ عَام، ثُمَّ يَأتي أحدُهم مِن خَلفك، وأنتَ جَالس عَلى الكُرسي، ويَحضنك مِن الخَلْف، ويَقول لَك: “هَل تَسمَح لِي أنْ أُسلِّم عَليك”؟ غَير آبهٍ أو مُفكِّر بأنَّ الوَقت وَقت إفطَار، وأَكل وشُرب، والحُمد لله الذي أطعَمْنَا وسَقَانا بَعد طُول صيَام وعَطَش..!
الصّورة الثَّالثة: تَكون مُنسجماً مَع مُبَارَاة فَريقك، ومُركِّزاً عَليها، ومَع ذَلك يَتّصل بِك الأصحَاب والأصدقَاء، غَير مُقدِّرين عَلاقتك بفَريقك، وأنَّك لَا تَرغب في استقبَال الاتّصَالات في وَقتِ المُبَاريات، ومِن الغَريب أنَّ المُتّصل لَا يُريد شَيئاً ضَروريًّا، وإنَّما يُريد أن يَقول لَك إنَّ الحَكَم غَير عَادل، أو إنَّ المُهَاجم الفُلاني ضَيّع الهَجمَة الفُلانية، أو إنَّ المُدرِّب لَم يُوفَّق في اختيَار التَّشكيلة..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَا قَوم، إنَّ السَّلام فَضيلة سَامية، فلا تَجعلوها في الأوقَات الحَرِجَة، واعلَموا أنَّ أَهل الذّوق يَقولون: “لَا سَلام عَلى طَعام”، كَما يَجب عَليكم أنْ تَتخيّروا وَقت السَّلام، ووَقت الاتّصال..!!!
التصنيفات
المقالات

فضيلة الشر !

الثقافة –أي ثقافة- تُعطي المنتسبين لها سلوكيات ومبادئ وطرق تعامل، لا فرار من تأثيرها على هذه المجموعات، التي تؤمن بها وتُطبِّق تعاليمها.
ومن خلال التعامل مع العرب، قد يُدرك المرء بعض انعكاسات الثقافة العربية على العرب، بحيث يتأثرون بهذه الثقافة أحيانا في الجانب السلبي، وبعض الأحايين في الجانب الإيجابي.
خذ مثلا هذه الحالة، عندما تتعامل مع العربي بلطف وطيبة وذوق وأخلاق، يسخر منك في غالب الأحيان، وقد يعتبرك ضعيف الشخصية، وهذه “سمة أكثر العرب”، وقد تكون متوفرة في “الأجناس الأخرى من غير العرب”، ولكنني –كالعادة- معني بقومي، ليقيني أن في كل أمة هناك “عشرات العرفج”؛ الذين يُسلِّطون الضوء على “الخصائص المعتمة في النفس المظلمة”.
وقد علَّمنا المسيح -عليه السلام- التسامح؛ قائلا: “إذا صفع أحدهم خدك الأيمن؛ فاعطه الأيسر أيضا ليصفعه”.
ولكن الملاحظ أن الصافع لا يكتفي “بالخدين”، بل يتمادى إلى “الركل” و”الشلوت”، و”حَش الركبة”.
لذا يبدو منهج التسامح والطيبة؛ مُحرِّضا على المزيد من “الاعتداء”، وكما يقول أهيل الحجاز –عليهم شآبيب الرحمة- “سكتنا له، دخل بحماره”.
لهذا.. لماذا لا نجرب ما قاله الشاعر المهجري:
والشر إن تلقه بالخير، ضقت به
ذَرعَا، وإن تلقه بالشر يَنحَسم!
ويعضد هذا ويسانده قول أهل الحجاز -أيضا-: “البِس يحب خنّاقه”، بمعنى أن العربي متى ضغطت عليه زاد حبه، بل و”احترامه لك”.
لقد نصحني شيخنا “أبوسفيان العاصي” قائلا: (اعلم –رحمك الله- أن العربي مثل السُستة أو مساعدات السيارة، يجب أن تضغط عليه دائما، وإلا قفز على وجهك)، لأن العربي ورث كل الشرور التي انتهجتها البشرية، ثم طعّمها بنكهة الشر العربية، التي يُسمِّيها شيخنا “أبوسفيان العاصي” بـ(عَورَبة) الشر، التي أسَّس مذهبها شاعرنا الكبير “أبوفراس الحمداني”، ذلكم الشاعر الذي كان مقسوما بين أعمامه العرب، وأخواله الروم، فقال:
لإن خفت من أخوالي الروم مرة
توجست من أعمامي العرب أربعا
في النهاية أقول: إن التسامح يبعث على التمادي، خاصة عند أولئك الذين لا يُفرِّقون بين “تسامح الضعيف”، و”تسامح المقتدر”، وقديما قيل: “مَن أَمن العقوبة أَسَاء الأدب”.

التصنيفات
المقالات

تذكير الجموع بأهمية الخشوع

يحسن بِنَا في أوَاخر هَذا الشَّهر الكَريم؛ أنْ نَستَذكر بَعضاً مِن الموَاعِظ، التي تُزكّي النَّفس، وتُساعِد عَلى تَطهيرها؛ مِن تَعب الحيَاة ومَشَاغِل الدُّنيا..!
بَين يَديَّ الآن قَصيدة طَويلة مَجهولة؛ للشَّاعِر الشَّيخ “ابن المقري”، تَتضمّن مَعاني سَامية، ورَغم سموّها؛ إلَّا أنَّها لَيست مُتداولة بالشَّكل الذي يَليق بهَا، لذَلك اختَرتُ بَعضاً مِن الأبيَات لطَرحها، والتَّعليق عَليها:
يَقول الشَّاعِر في بدَاية قَصيدته:
إلَى كَمْ تَمَادَى في غُرُوْرٍ وَغَفلَةٍ
وَكَمْ هَكذا نومٌ إلَى غَير يَقْظَةِ
بَعد ذَلك يُخاطب الشَّاعِر الإنسَان الذي يَنسَاق خَلف نَفسه الأمَّارة بالسّوء، قَائلاً:
أَأَنْتَ صَدِيقٌ أَمْ عَدوٌ لِنَفْسِهِ
فإنَّكَ تَرْمِيْهَا بِكُلِّ مُصِيْبَةِ
ثُمَّ يَتناول الشَّاعر عَامود حيَاة المُسلم، وهي الصَّلاة، تِلك العِبَادة التي تُعتبر إبحَاراً باتّجاه السّماء، يَتناولها الشَّاعِر بطَريقته، قَائلاً:
تُصَلِّي بِلاَ قَلْبٍ صَلاَةً بِمِثْلِهَا
يَكُونُ الفَتَى مُسْتَوْجِباً لِلْعُقُوبَةِ
تَظَلُّ وَقَدْ أَتْمَمْتَهَا غَيْرَ عَالِمٍ
تَزِيدُ احْتِيَاطاً رَكْعَةً بَعْدَ رَكْعَةِ
وَمِنْ قَبْلِ هَذَا مَا شَكَكْتَ بِأَصْلِهَا
فَقُمْتَ تُوَالِي نِيَّةً إِثْرَ نِيَّةِ
فَوَيْلَكَ تَدْرِي مَنْ تُنَاجِيهِ مُعْرِضاً
وَبَيْنَ يَدَيْ مَنْ تَنْحَنِي غَيْرَ مُخْبِتِ
تُخَاطِبُهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ مُقْبِلاً
عَلَى غَيْرِهِ مِنْهَا بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ
وَلَوْ رَدَّ مَنْ نَاجَاكَ لِلْغَيْرِ طَرْفَهُ
تَمَيَّزْتَ مِنْ غَيْظٍ عَلَيْهِ وَغِيرَةٍ
أَمَا تَسْتَحِي مِنْ مَالِكِ المُلْكِ أَنْ يَرَى
صُدُودَكَ عَنْهُ يَا قَلِيلَ المُرُوءَةِ
صَلاَةٌ أُقِيمَتْ يَعْلَمُ اللهُ أَنَّهَا
بِفِعْلِكَ هَذَا طَاعَةً كَالخَطِيئَةِ
إنَّ الشَّاعِر هُنا يُذكِّر ويُنبِّه عَلى أَهميّة الصّلاة، والخشُوع فِيها، وإجلَال مَن نُنَاجيه في الصَّلاة، فالإنسَان عِندَما يَتحدَّث مَع أَحد مِن البَشر، يُركّز في الحَديث مَعه، ويَنظر إليه أثنَاء الحديث، فمَا بَالك برَبّ البَشَر، الفَرد الصَّمد، الذي يَجب أنْ يَكون لَه الخشوع كلّه، والإجلَال كلّه، والتَّأمُّل كلّه..!
حَسناً.. ماذا بقي؟!
بَقي القَول: طَالما أنَّ الحَديث عَن الصّلاة، فلا زَلت أتذكَّر بَيتين يَستَشهد بِهما دَائماً الشّيخ سعيد الكملي، حَيثُ يَقول:
فَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ مَا لَهُ مِنْ صَلاَتِهِ
سِوَى رُؤْيَةِ المِحْرَابِ والخَفْضِ والرَّفْعِ
تَرَاهُ عَلَى سَطْحِ الحَصِيرَةِ قَائِماً
وَهِمَّتُهُ فِي السُّوقِ فِي الأَخْذِ وَالدَّفْعِ 
التصنيفات
المقالات

تشبث اللهفان بكرامات رمضان

هَا هو رَمضان يُلملمُ سَاعاته وأيَّامه، ليَرحل عَنَّا، والنّفُوس مَازَالت تَتشبّث بِهِ، وتَتمنَّى أنْ يَبقَى زيَادة وزيَادة..!
أكتُب هَذا المَقَال، وأنَا في محرَاب الزَّاهِد الخَاشِع في صَومعة التَّأمُّل والتَّفكُّر، أتذكّر مَن رَحَل، وأتذكّر مَن بَقَي، لأشعر بغصّة مِن أُولئك النَّاس والأحبَاب؛ الذين عَاشوا مَعنا، وصَاموا مَعنا في رَمضان المَاضي، والآن هُم تَحت التُّراب..!
أَتأمّلُ الحَاضِر، وأرَى الوجُوه التي حَولي، وأسأَل: مَن مِنَّا – يَا تُرى – سيُدرك رمضَان القَادِم؟ لأنَّ هَذا الشَّهر بَخيلٌ في زيَارَاته، فهو لَا يَأتي إلَّا مَرَّة كُلّ سَنَة، يَأتي كضَيف خَفيف لَطيف، يُقيم بَينَنَا، ثُمَّ يَرحل..!
في رَمضان يَحلو لِي التَّدبُّر، والتَّأمُّل، والتَّفكُّر، وطَرح الأسئلَة، حَيثُ أَلتفتُ ورَائي، فأَجد كومة مكوّمة مِن السّنين، فِيها خَيرُ الأعمَال وشرّها.. ثُمَّ أنظُر إلَى المُستَقبل فأَجد سَحائب مِن الغيبيّات لَا يَعلمها إلَّا الله.. أُحَاول أنْ أَشقّ طَريقي إلَى المُستَقبل، مُفوِّضًا أَمري إلَى الله، ومُوكّله بشَأني، “ومَن يَتوكّل عَلى الله فهو حَسبه”.. لَا أَمل لِي إلَّا الأمَل بالله، الغفّار الغفُور، الرَّحمن الرَّحيم، بأنْ يَحشرني في زُمرة الصَّالحين، ويُدخلني مَدخلًا كَريمًا..!
أمَّا مَا يَخصّ ذنُوبي، وسيّئاتي، وكَبَائِر أفعَالي، فإنَّني أنثُر رَجائي في حَضرة الحَبيب محمد بن عبدالله – صلّى الله عليه وبارك-، طَالبًا مِنه أنْ يَرعَاني بشَفَاعَته.. كَيف لَا؟ وقَد جَاء في الحَديث الصَّحيح قَول نَبي الرَّحمة: (إِنِّي ادَّخَرْتُ شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ)..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَذه دمُوع مُتأمِّل خَاشِع، يُرسلها لتُبلّل القلُوب قَبل أن تُبلّل الوَرق، دَاعيًا الله بأن يَتغشّى النَّاس – كُلّ النَّاس- برَحمته، ويَفتحَ لَهم مِن أبوَاب غُفرَانه مَا يَسعُ النَّاس جَميعًا.. والحَمَد لله رَب العَالمين..!!! 
التصنيفات
المقالات

هذه دوافعي لاستحضار حياة الرافعي

طَالَمَا نَحنُ في رَمضان؛ فسَأذكُر قصّة قَد تُحبِّب النَّاس في القِرَاءة، ألَا وهي قصّة علَاقتي بالكَاتِب الكَبير “مصطفى صادق الرافعي”.. ذَلك الرَّجُل الذي أَلهَمه الله البيَان، ورَوعة الألفَاظ، والتَّراكيب المُطعّمة بالإحسَان والإتقَان..!
في مَكتبة المَعهد العِلمي في عنيزَة، وأنَا في الصَّف الثَّاني ثَانوي، امتَدَت يَدي إلَى كِتَاب “وَحي القَلَم”، وإذَا بي أفتَح الكِتَاب بشَكلٍ عَشوائي، لأجد أمَامي مَقالًا بعنوَان: “صلَاة الفَجر”.. قَرأتُ المَقال مَرَّة، وأتبعتُها بمَرَّة ثَانية، ثُمَّ تَلتهُما ثَالثة أُخرَى، وفي كُلِّ مَرَّة أكتَشف أسلُوبًا جَديدًا مِن أسَاليب البيَان، التي رَزقها الله هَذا الرَّجُل، الذي لَا تَنطبق عَليه الحِكْمَة القَائِلة: “العَقل السّليم في الجسم السّليم”.. وإليكُم القصّة:
في طفُولَته، أُصيب “الرَّافعي” بدَاء “التّيفوئيد”، “فمَا نَجَا مِنه إلَّا وقَد تَرك في أعصَابه أَثرًا، كَان حبْسٌ في صَوته – أي بُحّ صَوته-، ووَقرًا في أُذنيه مِن بعد”..!
وَقتها حَاول “الرَّافعي” العِلاج عِند كُلّ طَبيب دون جَدوَى، واستَمرّ الدَّاء مَعه “حتَّى فَقَدَت إحدَى أُذنيه السَّمع، ثُمَّ تَبعتْها الأُذن الأُخرَى، فمَا أتمّ الثَّلاثين؛ حتَّى صَار أصمَّ، لَا يَسمع شَيئًا ممَّا حَوله، وانقَطَع عَن دُنيَا النَّاس”..!
وفي ذَلك يَقول “الرَّافعي” عَن نَفسه: (إذَا كَان النَّاس يُعجزهم أنْ يُسمِعوني، فليَسمَعوا منِّي)..!
إنَّ “الرَّافعي” إضَافَة بَديعة في عَالَم المَعرفة والمَكتَبَة العَربيّة، ومَن أرَاد أنْ يُقَوّي بيَانه، ويَشدّ مِن إزَاره اللُّغوي، ويُنمّي عَضلاته الفِكريّة، فعَليه أنْ يَدور في دَائرة “الرَّافعي” لمدّة شَهرين، مُقلّبًا لكُتبه، ومُتدبّرًا في أفكَاره، ومُستطلعًا لخصَائصه في التَّراكيب، والجُمَل، والبنَاء اللُّغوي..!
في النّهاية أُذكّر أنَّ لـ”الرَّافعي” كُتبًا كَثيرة مِن أَهمّها: “وَحي القَلَم – 3 أجزَاء” – وهو وَحيٌ بمعنَى الكَلِمَة-، كَمَا أنَّ لَه في العِشق كُتبًا مِنها: “رسَائل الأحزَان، والسَّحاب الأحمَر، وحَديثُ القَمَر، والمَسَاكِين”..!
أكثَر مِن ذَلك، لقَد كَتَب الأستَاذ “محمد سعيد العريان”؛ صَفحات مِن حيَاة “الرَّافعي”، تَحت عنوَان: “مِن سِيرة الرَّافعي”..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَذا المَقال، وتِلكُم الكَلِمَات عَن “الرَّافعي”، وهي مُجرَّد لوحَة تُشير إلَى المَكَان، ولَا تَصفه بكُلِّ جَوانبه، ومَن أرَاد الإزَادَة فعَليه الاستزَادَة..!!!

التصنيفات
المقالات

الإشارة إلى أدب الإمارة

لَديَّ قَنَاعَة أنَّ الإنسَان إذَا لَم يَتغيَّر في رَمضان؛ فلَن يَتغيَّر أبدًا، لأنَّ الانقطَاع عَن الأَكل والشَّرَاب، وطُول الحَر،ّ والتَّفكُّر في الجوع، يَجعل المَرء يُحرّك خَاصيّة التَّغيير في عَقله..!
مِن هَذا المُنطلق أَخذتُ عَلى عَاتقي في هَذا “الرَّمضان”؛ أنْ أَدخُل في صَومعتي، ولَا أخرُج للنَّاس إلَّا قَدْر الحَاجَة، وعَاهدتُ نَفسي بأنْ أُصلح مِن شَأني، وأُطوّر أخلَاقي أولاً، وأزيد مِن اطّلاعي وقرَاءَتي، وأبحَث عَن كُلِّ مَا يُطوّر نَفسي وأدوَاتي، لأكُون الأكمَل والأجمَل والأفضَل..!
هَذه أُمنيات، ولَا أَحد يُحاسبني عَلى الأمَاني، فإنْ تَحقَّقت فالحَمد لله، ذَلك مَقصدي ومُرادي، وإنْ لَم تَتحقَّق فيَكفي أنَّها أُمنيات عَاشت مَعي وعِشتُ مَعها..!
وأوّل كِتَاب بَدأت بِه عُزلتي في أوّل أيَّام رَمضان؛ هو كِتَاب “الإشَارة إلَى أَدَب الإمَارة”، وهو مِن تَأليف “أبي بكر القيرواني المرادي”، ومِن تَحقيق الكَاتِب المَعروف الدّكتور “رضوان السيد”..!
وقَد بَدأتُ بهَذا الكِتَاب؛ لأنَّه يُهيّئ الإنسَان ليَكون أميراً في أخلَاقه وتَصرّفاته، وأميراً بَين أصحَابه وأقرَانه في تَعاملاته وفي سلُوكياته..!
وفصُول الكِتَاب كَثيرة، وقَد استَوقفني مِنها فصُول مِثل: “الحَضّ عَلى القِرَاءة والتَّعلُّم”، و”فَصل في آدَاب النَّظر والتَّفهُّم”، و”فَصل في الاستشَارة وصِفة المُستشَار”، و”فَصل في المَعيشة وسيَاسة الأجسَام”.. وكَم تَوقَّفتُ كَثيراً عِند فَصل بعنوَان: “الفرَار مِن سوء العَادة؛ وريَاضة النَّفس قَبل الحَاجَة”..!
كَما أنَّ هُنَاك فصُولاً أَعجبتني، وأتعجّب كَيف التَفَتَ إليهَا المُؤلِّف، مِثل: “فَصل في هيئة الجلُوس والرّكوب”، و”فَصل في سيَاسة الحَاشية والجُند”.. كَمَا تَوقَّفتُ كَثيراً عِند “فَصل أقسَام النَّاس وطَبقاتهم؛ ومَا تُقابل بِه كُلّ طَبقة”..!
أمَّا مَا يَخصُّ ضَبط النَّفس؛ والتَّعامل مَعها، فقَد استهوَاني “فَصل في الكَلَام والصَّمت”، و”فَصل في الحلم والصّبر”، و”فَصل في تَرك الحلم إذَا أدَّى إلَى الفَسَاد”.. كَمَا استهوَاني “فَصل في الغَضب والرِّضَا”، و”فَصل في التَّجبُّر والخضُوع”، و”فَصل في الكِتمَان والإذَاعَة”، و”فَصل في الحَرب والمُسَالمة”، و”فَصلٌ أَخير في الحِيلة والمَكر والخَديعَة”..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: أتمنَّى عَليكم أنْ تَقتنوا مِثل هَذا الكِتَاب، وإنْ كَان وجُوده قَليلاً وعَزيزاً، لأنَّ مُؤلِّف الكِتَاب -وهو الأَديب “المرادي”- بَذَلَ في تَأليفه سَنوَات طَويلَة، لِذَلك كَانَت فصُوله كُلّها تَليق بالقرَاءة والتَّدبُّر، والاطّلاع والتَّفكُّر..!!! 
التصنيفات
المقالات

عمِّي حسين رحمه الله

جرت العادة أن يبكي الناس، ويرثوا المشاهير والأمراء، والوزراء والكُبراء.. ولكن،  كيف إذا مات لك قريب، وهو صاحب فضل عليك، وعلى مئات الناس غيرك، ولا يعرفه إلا أقرباؤه و معارفه و طلابه و طالباته؟

لهذا سأكسر هذه القاعدة، وأكتب عن ابن عمّي وزوج أمي، الذي تربيتُ في بيته، وقد توفي هذا اليوم، وسيُصلى عليه بجامع محمد بن عبدالوهاب ببريدة، بعد صلاة التراويح و سيكون  العزاء في المقبرة .

إنه  عمّي حسين العرفج –رحمه الله-، المربّي الكبير، والمعلّم القدير، الذي ينطبق عليه المثل القائل: “الأب هو من يربّي، لا من يُخلّف”، لذلك ، أقول: إنّ عمّي حسين هو الوالد الذي ربّاني مع أبنائه ، وتعبَ عليّ ، بعد والدتي حفظها الله وأمدّ في عمرها.

عمّي حسين –رحمه الله- كان رجلاً مكافحاً طموحاً، اعتدى عليه الجُدري في طفولته، وسلب نظره، ليصبح كفيفاً، يرى بنور البصيرة، لا بنور البصر.. هذا العمى لم يمنعه، بل استمرّ في حياته، وتعلّم، وشقّ طريقه بكل تعب، حتى تخرّج من كلية الشريعة بالرياض عام 1973م – 1393هـ، ثم تعيّن مدرّساً للطالبات، وأخذ يعلّم القرآن وموادّ الشريعة للطالبات لأكثر من ربع قرن، حيث تخرّج على يديه آلاف الطالبات من مدارس الثانويات في المدينة المنيرة، والرّس، وعُنيزة، وبُريدة.

رحم الله العمّ حسين، فقد كان طموحاً، محباً للخير، صادقاً مع نفسه، ومع أبنائه، محباً لوطنه ومجتمعه، ينشر الخير أينما حلّ، ويزرع التفاؤل أينما ذهب.

إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا عم حسين لمحزونون.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. لله ما أعطى ولله ما أخذ، ولن نقول إلا ما يرضي ربّنا، فهو الرحمن الرحيم، الجواد الكريم.

نحسبُ العمّ حسين –والله حسيبه- من الأخيار، وقد جاءت منيته بعد أن صلّى التراويح يوم أمس، في ليلة الاثنين، وهي ليلة فضيلة، يترقّب الناس فيها ليلة القدر، وهذه كلها من بشائر الخير لعمّي الذي ربّاني، وربّى أجيالاً من أمثالي.

في النهاية أقول: اللهم ارحم العمّ حسين، وجميع موتانا، وارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، ولقد صدق الحقُّ –عزّ وجلّ- حين قال: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ).. ربّنا عظّم أجرنا، وارزقنا الصّبر والسّلوان، إنك ولي ذلك والقادر عليه.