التصنيفات
المقالات

حين تحضر الإجابة تزول الغرابة

كَتبتُ أَمْس عَن السُّؤال وأهميّته.. وإذَا ذُكر السُّؤال، لا بد أنْ تَأتي سِيرة الإجَابَة والجوَاب، لأنَّ السُّؤال والجوَاب، كالمُبتَدأ والخَبَر، يَأتيَان مَعاً، ويَنصَرِفَان مَعاً، ويَنْتَظرَان مَعاً أيضاً، فالسُّؤال يَأتي، ثُمَّ مِن رَحِم السُّؤال تُولد الإجَابَة، وأتعَس الأُمَم؛ هي تِلك الأُمَم التي تُقدِّم الإجَابَات الجَاهِزة لكُلِّ الأسئِلَة، أو الأجوبَة الحَاضِرَة لأسئلة لَم تَكن مَوجودة أَصلاً..!
وإذَا قُلنا بأهميّة السُّؤال، لا بد أن نُركّز عَلى الحَذَر مِن التَّسرُّع في الإجَابَة، بحَيثُ إذَا سَأَلَكَ أحدُهم عَن شَيءٍ تَجهله، فلَا تَخجل مِن الاعتِذَار، مِن خِلال تَفعيل خَاصية “لا أَدري”؛ المَعروفة في بَلَاط العِلْم وسَاحة العُلَمَاء..!
وحتَّى نُطبّق هَذا المِثَال خَير تَطبيق، إليكُم هَذه القصّة، التي وَرَدَت في كُتب التُّرَاث، حَيثُ سُئل الإمَام الشّعبي عَن مَسألة فقهيّة فقَال: “لَا أدري”. فقِيل لَه: “ألَا تَستحيي مِن قَولِك هَذا، وأنتَ فَقيه العِرَاقيين”؟ فقَال: (إنَّ المَلائِكة لَم تَستحِ، إذ قَالت: “سُبحَانَك لَا عِلم لَنا إلَّا مَا عَلّمتنا”)..!
إنَّ التَّحصُّن والتَّسلُّح بكَلِمَة لا أَدري، يَحميك مِن القَول بغَير عِلم، كَما أنَّه يَجعل لَك مصدَاقيّة عِند النَّاس، فطَالب العِلْم الحَقيقي هو مَن يَتحرَّى الإجَابَة، ويَبحث عَن الدِّقة، وقَد قَال الإمَام الحَسَن بن عَلي في هَذا قَولاً شَهيراً، حَيثُ يَقول: (إنَّ العَالِم مَن يَكثر صَوابه)..!
والإجَابَات عَلَى الأسئلَة؛ دَائماً مَرهونة بطُول التَّفكير، ومُدَاومة التَّأمُّل، والفَحص والتَّنقيب في وجُوه المَعرفة، وبطُون الكُتب، وأفخَاذ المَرَاجِع، وبذَلك يَتحقَّق الجَوَاب، وقَد لَخَّص الفِكرة الفَيلسوف اليونَاني “أرسطو طاليس”، حَيثُ قَال: (لَيس طَالِب العِلْم إلَّا كالغَائِص في البَحر، لَا يَصل إلَى الجَواهِر الكَريمة إلَّا بالمُخَاطرة العَظيمَة)..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَا قَوم، تَأكَّدوا أنَّ السُّؤال هو البَحث عَن الجوَاهِر الكَريمَة، والحصُول عَلى الإجَابَة لَا يَتم إلَّا بَعد التَّعب والعَنَاء، والمُخَاطرة العَظيمة..!!!

التصنيفات
المقالات

السؤال يقتل المحال

السُّؤَال هو بوّابة المَعرفة، وهَذا أَمر “لا تَختلف عَليه وَردَتَان”.. أعتَقد أنَّ هَذا التَّعبير أفضَل مِن أنْ أَقُول: “لَا تَتنَاطَح فِيهِ عَنْزَتَان”..!
السُّؤال هو استفهَام؛ لبدء الإبحَار في عَالَم المَعرفة والفِكر، وقَد جَاء في الأثَر أنَّ “العِلْم خَزَانة؛ مُفتاحها السُّؤَال”..!
ومِن كَلِمَات الصَّحابي “أنس بن مالك”؛ كَلِمَة تُشبه أقوَال الحدَاثيين في هَذا العَصر، حَيث يَقول: (السُّؤال يُعمّر العِلْم، وخَير السَّائلين مَن يَسأل دون ريَاء، ومَن يَترك السُّؤال دون حيَاء)..!
وحتَّى يَكون السُّؤال مُفيداً، يَجب أن يَكون محشوًّا بالسَّذاجة، لأنَّ السُّؤال السَّاذِج يَفتح الآفَاق للمَعرفة، وقَد قَال أشيَاخنا في التُّراث: (سَلْ سُؤال الحَمْقَى؛ واحفَظ حِفظ الأكيَاس)، والأكيَاس جَمع “كيّس”، وهو الفَطِن العَاقِل..!
وقِيل لمُفكِّر: “بِمَ أدرَكتَ هَذا العِلْم”؟ فقَال: (بلِسَان سَؤول وقَلب عَقول)..!
ولا بد مِن التَّأكيد هُنَا أنَّ السُّؤال لَيس دَائماً وَجيهاً، بَل أسئلَة الحَمْقَى واقترَاحَات المَجانين قَد تُفيد، لأنَّهم يَجعلون العُقلَاء يُفكِّرون بطَريقة تَفكير المَجنون، وقَد قَال مُفكِّرنَا الكَبير “آينشتاين”: (إذَا لَم يَكن السُّؤال سَخيفاً في البدَاية، فلَيس جَديراً أن يُلتفت إليه)..!
ونَظراً لأنَّ الحِكْمَة ضَالّة المُؤمن، فلا يُمكن العثور عَلى هَذه الضَّالة إلَّا عَن طَريق البَحث بالأدلّة الجِنَائيّة عَبر شَبكة الأسئلَة، وقَد قَال أحد الشُّعرَاء:
وَلَوْ أَنِّي جُعِلْتُ أَمِيرَ قَوْمٍ
لَمَا قَاتَلْتُ إِلاَّ بِالسُّؤَالِ
فالقِتَال بالأسئلَة هو أفضَل القِتَال؛ للحصول عَلَى العِلْم والمَعرفة..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَا قَوم، اطرَحوا الأسئلَة، ودَعوا السُّؤال يَدور في كُلِّ الاتّجَاهَات، ولا تَقْلَقُوا مِن البَحث عَن الإجَابَة، لأنَّ السُّؤال مِثل المَطَر، والإجَابة مِثل الرَّبيع تَأتي لَاحقاً..!!!

التصنيفات
المقالات

غرابة “الرياضيين” في منع التدخين

الرِّئَاسَة العَامَّة لرعَاية الشَّباب إدَارَة كَبيرة، وعَطاؤها يَتراوح بَين الجيّد والمَقبول، وهي – كغَيرَها مِن الإدَارَات الحكوميّة- تَنْجَح مَرَّة، وتُخفق مَرَّة..!
ولَن أدخُل في دَهاليز هَذه الرِّئَاسَة، لأنَّها تَحتَاج إلَى مُتخصِّص يَغوص في أعمَاقها، ويَرَى جَوانب الخَلَل وكيفيّة إصلَاحه، ولَكن مَا أنَا بصَدَده اليَوم هو قَرار صَدَر مِن الرِّئاسَة العَامّة لرعَاية الشَّباب -قَبل أيَّام- يَقضي بمَنع التَّدخين في المَلَاعِب، وهَذا القَرار غَريب ولَا مُبرّر لَه، وسأسرد نقَاط اعترَاضي عَلى هَذا القَرَار..!
أوّلاً مِن نَاحية إمكَانيّة التَّطبيق: هَل سنَضع عَسكرياً فَوق رَأس كُلّ مُشجّع؟ أم أنَّنا نُكثّف حَملات التَّفتيش، ونُصادر كُلّ عِلَب السَّجائِر والولاّعات، ويُصبح تَهريب هَذه الأشيَاء وإدخَالها إلَى المَلعب؛ نَوعاً مِن الحِيَل التي يبرع فِيها الزّعرَان ، حتَّى يَصل سِعر السِّيجارة دَاخل المَلعب إلَى 100 ريَال..!
ثُمَّ كَيف نُطالب الجمَاهير بالحضُور؛ ونَمْنَع المُدخِّن الذي لا يَصبر عَلى سِيجارته سَاعة، حَيثُ يَجلس في المَلعب ثَلاث سَاعَات؛ مَحروماً مِن حَبيبته التي يَمصّها بشَفتيْه..!
مِن نَاحية ثَالثة، نَعلم أنَّ بَعض الفرَق تُهزم، وبَعض الحُكّام أدَاؤهم سَيئ، وهَذه الأشيَاء تُغضب الجمهور، فكيف يَتخلّص المُشجّع المُدخّن مِن تَوتّره؛ إلَّا عَبر الوَسيلَة التي يَعتبرها المُدخّن -وَاهِماً- هي الخلَاص، وهي الحَل لامتصَاص غَضبه..؟!
أتمنَّى أن تَكون طمُوحَات الرِّئاسَة كَبيرة؛ مِثل صنَاعة المَلَاعب، وتَوفير ميَاه الشُّرب للمُشجّعين، والإسرَاع في الخَصْخَصَة، وتَطوير الاحترَاف، ذَلك أجدَى مِن قَرار يَقضي بمَنع التَّدخين، هَذا القَرار الذي لا شَبيه لَه في كُلِّ دوَل العَالَم..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَجب أن يَعلم الجَميع بأنَّني عَدوّ لَدود للتَّدخين، ومَازلتُ أرَى أنَّه مُحرَّم، وفي نَفس الوَقت أرَى أنَّ هَذا القَرار فِيهِ غرابة؛ مِن إدَارَة حكوميّة نتوقع منها الكثير لرفعة الشباب !! 
التصنيفات
المقالات

لا تتخطوا رقاب السيارات

يجب أن نُكثِّف الكتابة عن كل ما يُعلِّمنا السلوك الحسن، والرقي البديع، والتقدُّم الحضاري.. لذلك سأتحدَّث اليوم عن تخطِّي رِقَاب الناس، ليس في الصلوات، وإنما في قيادة السيارات.

قد يعتقد البعض أن تخطِّي رقاب الناس لا يجوز –فقط- في المسجد يوم الجمعة، وما علموا أن التخطي -أيضا- لا يجوز في قانون قيادة السيارات، وإليكم –قبل الدخول في الموضوع- هذه الحكاية التي سأبني عليها فكرة هذا المقال:

عندما كنت في بريطانيا –قبل سنوات- صدر قرار بمنع التدخين داخل الأماكن المغلقة، وصادف أن كُنت داخل مقهى، فقام أحد الأشخاص وأشعل سيجارته، وما أن فعل ذلك حتى تعالت الأصوات –وصوتي معهم-، وقُمنا -مع صاحب المقهى- بإجبار الرجل على الاختيار، بين التوقُّف عن التدخين، أو مُغادرة المقهى فورا، فما كان من المُدخِّن إلا أن شعر بالخجل، وأطفأ السيجارة، مُطأطئا رأسه من سوء فعلته.

تأمَّلوا هذه القصة، ستجدون أن المجتمع -هناك- هو مَن يُراقب تطبيق القانون، ويتواصى على تنفيذه، وتوبيخ مَن يُخالفه.

تذكَّرتُ هذه القصة، وأنا أتجوّل في جـدة؛ بعد أن تحوّلت الإشارات إلى ما يُسمَّى بـ”يو تيرن”، أو منعطف للدوران، حيث تجد أن الناس تصطف طابورا واحدا خلف بعضهم، كأنهم بنيان مرصوص، ثم يأتي أهل الشذوذ والمخالفين والمستهترين، ويتخطون رقاب السيارات، ويتلصصون بينها، ويفرضون أنفسهم، مستهترين بالطابور، لذلك يجب على أهل الطابور أن لا يسمحوا بدخول أي سيارة شاذة، تأتي من باب الفوضى، أو من باب القفز عليهم، ليكون أهل الطابور؛ هم مَن يفرضون القانون على المتلاعبين به، وذلك من خلال إغلاق الطابور أمامهم، وعدم السماح لهم باختراق الصفوف.

في النهاية أقول: إنني شَاهدتُ في رمضان رجل مرور؛ يمنع هؤلاء المتخطين لرقاب السيارات، فشكرتُه، وأدّيت له التحيّة العسكريّة، رغم أنني تركتها منذ مدة.

التصنيفات
المقالات

ملاحقات فهلوية للانحرافات اللغوية

لقَد وَعدتكم هَذه الزَّاوية بأنْ تَفتح صَفحة لُغويّة عَلى فَتراتٍ مُتقطِّعَة، لَعلّها تُثري اللِّسَان، وتُعدّل مَا انحرَف مِن البيَان..!
لذَلك دَعونا نَأخذ هَذه الأَمثِلَة:
مِن الخَطأ أنْ تَقول: (غَرَقَت السَّفينة في عَرض البَحر)، والصَّحيح أنْ تَقول: (غَرَقَت السَّفينة في عُرض البَحر)..!
ومِن الخَطأ -أيضاً- أنْ تَقول: (حَضَر الطَّالِب إلَى الجَامِعة بدون كُتب)، والصَّحيح أنْ تَقول: (حَضَر الطَّالِب إلَى الجَامِعة دون كُتب)، فالبَاء هُنَا لَا قيمة لَهَا..!
كَما أنَّه مِن الخَطأ أنْ تَقول: (جَاءت الفَتَاة لوَحدها)، والصَّحيح أنْ تَقول: (جَاءت الفَتَاة وَحدَها)، عِلماً بأنَّه لَا دَخل للمَحْرَم هُنَا..!
وهُناك خَطأ شَائِع تَعلّمناه في أُولَى سنوَات الجَامِعَة، فقَد كَان أُستَاذنا الجَليل “أبوبكر دوشن” يُكرِّر أنَّ البَاء دَائماً تَكون مَع المَتروك، فمِن الخَطَأ أنْ تَقول: (استَبْدَلتُ السيّارة القَديمة بالجَديدة)، لأنَّ هَذه الجُملة تَعني أنَّك تَرَكْتَ الجديدَة وأَخَذت القَديمَة، فالبَاء تَكون مَع المَتروك -كَما قَال شَيخنا-.. والصَّوَاب أنْ تَقول: (استَبْدَلتُ السيّارة الجَديدة بالقَديمَة)..!
ومِن الخَطَأ الشَّائِع -أيضاً- أنْ تَقول: (أثّر الجَاحِظ عَلى العَرفج)، والصَّواب أنْ تَقول: (أثّر الجَاحِظ في العَرفج تَأثيراً كَبيراً)..!
ومِن الخَطَأ -أيضاً- أنْ تَقول: (وَقَعَت الجَريدَة في مَأزَق)، والصَّحيح أنْ تَقول: (وَقَعَت الجَريدَة في مَأزِق)..!
ومِن مُخالفة الصَّواب أنْ تَقول: (وَقَفَ مُعتز أَمَامي)، والصَّحيح أنْ تَقول: (وَقَف مُعتز تِجاهي أو إزَائي أو قبَالتي)..!
ومِن المُخالفة اللُّغويّة -أيضاً- أنْ تَقول: (احتَار رَئيس التَّحرير في أَمر الكَاتِب الفُلاني”، والصَّحيح أنْ تَقول: (حَار رَئيس التَّحرير في أَمر ذَلك الكَاتِب الفُلاني)..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَذه مُخالفات لُغويّة، بمعنَى أنَّها لَيست مُخَالفات مرُوريّة يُعاقب عَليها سَاهر، وإنَّما هي أخطَاء وتجَاوزات تُسيء إلَى اللُّغة، وتَجْرَح مَشَاعرها، وتُؤلم كُلّ غَيور، وصَاحب حَرف مَاهِر..!!! 
التصنيفات
المقالات

بين الحضارة والبداوة

مشكلة العرب أنهم يتعاملون مع الأشياء الحضارية بطريقة بدوية، مع أن المسافة بين الحضارة والبداوة مسافة طويلة مديدة، تقصر فيها الصلاة، ويفطر فيها الصائم.
ومن الأخاديع التي كنا نتوهمها أيام “الصحوة”: الجمع بين الأصالة والمعاصرة، بمعنى أن يكون الإنسان عصريا حداثيا، وفي نفس الوقت يتمسك بأصالته وبداوته.
ومن أقرب الأمثلة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، هو أنك تجد مسكنا فخما وكبيرا بُني على أحدث الطرازات، وأَجَدّ الأدوات، ثم تجد في “حوش” هذا المسكن الكبير بيتا من الشعر، يدل على البداوة لا المعاصرة.
لقد قال الكاتب والمفكر “عبدالحميد البكوش”: (مشكلة العرب أنهم يقودون السيارة بعقلية قيادة الجَمَل)، مع أن المركبتين مختلفتين، من حيث الروح والحركة والدقة، فمثلا أنت تغفل عن البعير ساعة، فيسير بك نحو الطريق الصحيح، في حين أنك لو غفلت عن السيارة لمدة ثواني سترتطم بكارثة.
وللدلالة على تأصيل استعمالنا الوسائل الحضارية بطرق بدوية، أننا مازلنا نستخدم كلمة سائق، والمعروف أن السائق هو الذي يكون بعد العربة، وليس في وسطها.
والسائق في اللغة، هو من يركب في العربة، ويكون الحصان أمامه، ولذلك يقال: ساق الإبل وساق الخيل، أي أوردها بسهولة وسلاسة.. كما يقال ساق القصة، أي قصّها، ويقال أيضا: ساق المهر إلى المرأة، أي قدّمه إليها، وقد قال “دايم السيف”:
سَايق الخير سَاقك يمّ عَاشق جَمَالك
لَو تَأخَّرت أبصبر لَو هي ألفين عَام
في النهاية أقول: إن الحضارة لها متطلباتها، والبداوة لها احتياجاتها، والكارثة كل الكارثة هي الخلط بينهما، وأنا عندما أتحدث عن الحضارة والبداوة، أتحدث عن الأدوات والوسائل، وليس القيم والمبادئ.

التصنيفات
المقالات

نقد لاذع لبيروقراطية “لا مانع”

اللُّغة الإداريّة بَحرٌ مِن الكَلِمَات، والتَّوقيعَات والمُصطلحَات، والإشارَات والعموميّات، لا يَفهمها إلَّا مَن نَال قِسطاً -لَا بَأس بِهِ- مِن العَمَل الحكُومي..!
فعَلَى سَبيل المِثَال: عِندَما كُنتُ طَالباً في الجَامعة، كُنتُ أعمَل أثنَاء الصّيف في الجمَارك، وقَد أخبَرني المُدير أنَّه إذَا وقّع التَّوقيع بشَكلٍ مَائِل قَليلاً؛ فيَجب تَفتيش حَامِل الوَرقَة بدِقّة، أمَّا إذَا كَان التَّوقيع مُستقيماً؛ فالتَّفتيش يَكون بشَكلٍ مُعتَاد.. هَذا جُزء مِن حَرَكَات اللُّغة الإداريّة، ولَو أردنَا التبحُّر في هَذه اللُّغة والتَّواقيع، لوَجَدَنَا أنَّ عَشَرَات العِبَارَات مِثل: (بيت الجربوع) لَها مَخرجان..!
ومِن هَذه التَّواقيع، أنَّك عِندَما تُقدِّم طَلَباً لأحد المُديرين، يَشرح عَليه بعبَارة يَقول فِيها: (سَعادة مُدير الشّؤون الإداريّة لـ”المُفَاهمة”).. ومِن العِبَارَات -أيضاً- التي تَجعل الرَّأس حَائِراً؛ عِبَارة تَقول: (إلَى مُدير الشّؤون الإداريّة كالمُتّبع)..!
ولَو أردنَا زيَادَة سأُضيف عِبَارة -تَقاعدتُ مِن العَمَل وأنَا لَا أعرَف معنَاهَا- وهي عِبَارة: (حَسَب التَّعليمَات)، والأكثَر حِيرَة مِن هَذه العبَارة هي عبَارة: (حَسَب النِّظَام).. ولَن أتوقَّف عِند هَذا الحَد مِن الحيرَة، فهُنَاك عِبَارة تَقول: (لَا مَانِع)، وكَأنَّ الحيَاة قَائِمة عَلى المَوانِع، والدُّنيا خَالية مِن كُلِّ مُبَاح، لذَلك ننفي المَوانِع، مَع أنَّ الأَصْل في كُلِّ شَيء الإبَاحَة، أمَّا المُحرَّم فهو المُفصَّل، حَيثُ قَال تَعالَى في كِتَابهِ الكَريم: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)..!
وأخيراً لَن أدخُل في تبعات كَلِمَات مِثل: (عَاجِل، وعَاجِل جِدًّا، وسرِّي، وسرِّي للغَايَة)، لأنَّ هَذه العِبَارَات تَحتاج إلَى مُجلّد، ولَا تَكفيها مسَاحة مَقال في صَحيفة..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: لَيتَ أَحَد البَاحثين الجَادّين؛ يَتقدَّم برسَالة مَاجستير تَحمل عِنوَان: (الإشَارَات الدَّلاليّة في اللُّغة الإدَاريّة)، وأُجزم أنَّه سيَخرج بحِملٍ ثَقيل مِن الكَلِمَات والمَقولات والتَّوقيعَات..!!! 
التصنيفات
المقالات

يوميات تتجمَّل بالدبلوماسيات

حِين تَغيب يَوميّاتي العَرفجيّة؛ تَتكاثَر الأسئِلَة وتَتواصَل الرَّسَائِل، مُطالِبَة إيَّاي -حَفظني الله ورعَاني- بسُرعة عَجنها وخَبزها وإنضَاجها، وبَعثها إلَى مُستحقيها مِن ذوي الدَّخل المَعرفي المَحدود، وهُم طَالبو الغِذَاء الفِكري، والرّغيف الثَّقافِي، لذَلك هَا هي اليَوميّات تَأتيكم عَلى طَبقٍ مِن جَمَر:
(الأحد)
احتَاروا في تَعريف الدّبلوماسيّة، فقَالوا: “الدّبلوماسيّة فَنٌّ تَستطيع بِهِ أنْ تَجعل الآخرين يُفسحون لَكَ الطَّريق”..!
(الاثنين)
حَاولتُ أنْ أَجِد تَعريفاً مُختلفاً للدّبلومَاسي، وقَد أسعَفتنَا المَعاجِم التي تَقول: “إنَّ الدّبلومَاسي هو رَجُلٌ يَستطيع أن يَقطع رَقبة خِصمه؛ دون أنْ يَستخدم السكِّين”..!
(الثلاثاء)
لَم أقتَنَع بتَعريف يَوم الاثنين للدّبلومَاسي، لذَلك بَحثتُ عَن تَعريفٍ آخَر، فوَجدتُ جُملة تَقول: “الدّبلومَاسي هو شَخص يَستطيع أنْ يُحدّثك عَن البَطَاطَا السَّاخِنَة طَويلاً، حتَّى تُصبح بَارِدَة”..!
(الأربعاء)
سأَكون صَريحاً وأَقول: إنَّني لَم أقتَنع بتَعريف اليَومين المَاضيين للدّبلومَاسي، فبَحثتُ عَن تَعريفٍ ثَالث، حتَّى وَجدتُ عِبَارة تَقول: “الدّبلومَاسي هو شَخص قَد يُحدِّثك وهو يَكرهك، فتَظنّ أنَّه يُحبّك”..!
(الخميس)
يَبدو أنَّني لَم أقتَنع بكُلِّ مَا سَبَق مِن تَعريفَات الدّبلومَاسي، لذَلك بَحثتُ فوَجدتُ جُملَة تَقول: “الدّبلومَاسي رَجُل يَستطيع أن يَصمت بعدِّة لُغَات”..!
(الجمعة)
أخيراً وَجدتُ تَعريفاً للدّبلومَاسي، واقتنعتُ بِهِ يَقول: “الرَّجُل الدّبلومَاسي هو مَن يُسيطر عَلى انفعَالَاته، فلَا يُظهر غَضبُه أَبداً”..!
(السبت)
بَعد كُلّ هَذا، دَعونا نَرجع إلَى الدّبلوماسيّة، والتي مِن المُحتَمل أنْ يَكون تَعريفها بَعد كُلّ هَذه اليَوميّات أنَّها: “فَنٌّ تَتمكَّن بِهِ أنْ تَقول أشيَاء، لَا يَعرف سوَاك مَا تَعني بالضَّبط”..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: مَا أجمَل ذَلك الفَيلسوف الذي سُئل: مَا هو الجيش؟ فقَال: “الجيش مَجموعة مِن الرِّجَال مُهمّتهم إصلَاح الأخطَاء التي يَرتكبها بَعض الدّبلومَاسيّين”..!!

التصنيفات
المقالات

عقلية الهامور ابتلعت ثقافة الطابور

عِندَما تَذهب إلَى مَكانٍ فِيهِ احتِشَاد بَشري؛ لتَحقيق غَرض مِن الأغرَاض، تَستَغرب مِن كميّة الفَوضَى التي تَستوطن هَذا الاحتِشَاد، حَيثُ لَا تَرتيب ولا انتشَار؛ لثَقَافة الطَّابور..!
اليَوم دَعونا نَتحدَّث عَن تِلك الثَّقَافة، رَغم عِلْمِي بأنَّ البَعض يَنظر لِمَا أكتُب بازدرَاء، لأنَّهم يُريدون رَأسي كَبيرًا جِدًّا لأكتُب عَن “مَلالي إيرَان”، و”الصِّرَاع عَلى السُّلطَة في لِيبيا”، و”مَا يَفعله تَنظيم دَاعِش”، و”عُزلة كوريا الشَّماليّة”.. لذَلك أَقول لمَن يَحتقرني: “فليُبارك الله لَكَ في تِلك المَوضوعات لتَكتُب عَنها، أمَّا أنَا فسَأتّجه للكِتَابة عَن ثَقَافة الطَّابور؛ التي أُعَاني مِنها كُلَّما ذَهبتُ للمَطَار، أو كُلَّما اتّجهتُ للمَخبز لشِرَاء الرّغيف؛ الذي يُعينني عَلى أدَاء الصّلاة”..!
حِين تَصطَف في الطَّابور -في السّعودية- تُذْهَل مِن عَدَد مَن يَتخطّون رِقَاب أَهل الطَّابور، وكُلٌّ مِنهم يَأتيك بعُذر، بزَعمه أنَّه الوَحيد الذي يَملك عُذرًا، ومَا عَلِمَ أنَّ كُلّ مَن في الطَّابور مِن أصحَاب الأعذَار..!
عِندَما أَذهَب لزيَارة أُمِّي -قمّصها الله ثيَاب العَافية- في بُريدة أستيقِظ في الصَّباح؛ لأشتَري شَيئًا مِن الخُبز والفُول، اللَّذين يُذكّرانني برَائحة الحِجَاز، وفي الطَّابور؛ أرصُد تَصرُّفَات وسلُوكيّات النَّاس المُتجاوزين لنِظَام الطَّابور، وسأذكُر لَكُم مَا شَاهدته في يَومٍ وَاحِد فَقط، فمَثلاً هَذا وَاحِد يَقفز عَلى الطَّابور، وحِين أُعَاتبه يَقول: “مَعليش أنَا مستَعجل ولَديَّ ارتبَاط هَام”، وكَأنَّنا نَحنُ لَسْنَا عَلى عَجلة مِن أَمرِنَا.. أمَّا ثَاني المُتجاوزين فيَأتي ويَقول: “هَل الدّعوة بالطَّابور؟ أو مْناهَب؟”، وهَذا رَددنا عَليه بأنَّ الدّعوة بالطَّابور.. وثَالث يَقفز مِن فَوق رُؤوسنَا، ويَأتي في المُقدِّمة، وحِين عَاتبنَاه قَال: “مَعليش أُسرتي في البَيت جَائِعَة”، وكَأنَّ أُسرنا مُتخمة بالامتلَاء والشَّبَع”..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: لَن أُطيل فِي الشَّرح، لأنَّ كُلًّا مِن القُرّاء والقَارئات لَه تَجارب مَريرة؛ فِي مِثل هَذه الأمَاكِن، لذَلك دَعونا نَنشُر ثَقافة الطَّابور؛ التي يَعيب عَلينا البَعض عَدَم تَمسُّكنا بِهَا، وقَد قَال أحد قَادة إسرَائيل: “لَن يَهزمنا العَرَب؛ إلَّا إذَا تَعلّموا كَيف يَصطفُّون في الطَّابور بشَكلٍ صَحيح”..!! 
التصنيفات
المقالات

الروايات المبهتة عن الإجابات المسكتة

مِن الوَاضِح أنَّ غَالبية الشَّعب السّعودي؛ يُعاني مِن نَقصٍ في الإجَابَات المُسْكتة، والرّدود المُفْحِمَة، التي تُقنع السَّائِل، وتقمع الصَّائِل والجَائِل..!
وحتَّى نَتدرَّب علَى الإجَابَات المُسْكِتَة، عَلينا أنْ نَرجع إلَى إجَابَات العُظمَاء والمُفكّرين، وكُتب التُّراث، حتَّى نَستلهم مِنها كَيف نَتفنّن في صيَاغة وابتكَار الجوَاب المُسْكِت؛ للسُّؤال المُلْفِت..!
وهَذه طَائِفَة عَطِرَة مِن الإجَابَات المُسْكِتَة، التي أرجو قرَاءتها بتَمعُّن، لنَعرف الآلية التي يُفكِّر بهَا أصحَاب الإجَابَات المُسْكِتَة، ودَعوني أبدَأ بالحيوَان قَبل الإنسَان، حَيثُ تَقول الرِّوَايَات أنَّ “خنفسانة” قَالت لأُمِّها: “يَا أُمَّاه، كُلّما مَررت بأحدٍ بَصَقَ عَليَّ، فقَالت أُمّها: هَذه تَعويذة حَسنَة لَكِ”..!
وإذَا انتَقلنَا مِن عَالَم الحيوَان إلَى عَالَم الإنسَان، فأمَامنا إجَابَة “أبي العيناء”، حَيثُ سَأله أحدُهم قَائلاً: “هَل بَقي في دَهرنا مَن يُلقَى”؟ -أي يَستحق أنْ نَلقَاه ونُقابله- فقَال “أبوالعيناء”: “نَعم يُلقَى في البِئر”..!
وإذَا تَركنا النَّثر سنَتّجه إلَى الشِّعر، حَيثُ يَقول أحَد الشُّعرَاء إجَابَةً عَلَى سُؤال حَبيبته التي سَألته: “لِمَاذا لَا أَرَى أوجَاع الحُب تَبري جَسدك”؟ فرَدَّ عَليها أنَّ “حُبّها في قَلبه دون أنْ يَعلَم الجَسَد”، وفي ذَلك يَقول:
وَقَائِلَة ما بَالُ جِسْمكَ لا يُرى
سَقِيماً وَأَجْسَامُ المُحِبِّينَ تَسْقَمُ
فَقُلْتُ لَهَا قَلْبي بِحُبِّكِ لَمْ يَبُحْ
لِجِسْمِي فَجِسْمِي بِالهَوَى لَيْسَ يَعْلَمُ
ومِن الإجَابَات المُسْكِتَة أيضاً، أنَّ رَجُلين كَانَا يَتحدَّثان عَن الطَّائِرَات، فأخَذ أحدُهما يُدافع عَنها، والآخَر يُعارض في ركُوبها لخَطرها، فقَال الأوّل: “مِمَّ تَخَاف؟ إنَّ أجلَك إذَا حَان، فإنَّك ستَموت أينمَا كُنت، في الجَو أو البَحر”، فقَال الثَّاني: “هَذا صَحيح، ولَكن مَاذا يَحدث لَو رَكبتُ الطَّائِرة وحَان أَجَل قَائدها”..؟!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَذه طَائِفَة مِن الإجَابَات المُسْكِتَة، وسأكتُب بَين فَترةٍ وفَترة مَا تَيسَّر لي؛ مِن تِلكَ الإجابات التي ألتَقطها مِن بطُون الكُتب، وصدُور العُلَمَاء، وأفخَاذ الصُّحف..