التصنيفات
المقالات

المساواة في الفنون بين العقول والبطون ..

تَحلو سِيرة الحَديث عَن الأطعِمَة في أجوَاء العَزَايم والأفرَاح، واللّيالي المِلَاح، لذَلك أُحبُّ أنْ أدغم في مَقالي؛ ذِكر المَطعومات، لَعلّها تُخفّف مِن سِيرة الجوع، وروَاية العَطَش، لأسأل: لمَاذا نَقبل التَّنوُّع في الأطعِمَة والأشرِبَة؟ حَيثُ يُوجد لَدينا المِئَات مِن البُوفيهَات المَفتوحة، ولا يَوجد لَدينا مَا يُماثلها مِن بُوفيهَات الأفكَار المَفتوحَة، بَل وَصَل الحَد بِنَا إلَى تَعميم البُوفيهَات المَفتوحة، حتَى أَمسينَا مِثل بَني إسرَائيل، لا نَصبر عَلى طَعامٍ وَاحد؟!

في البُوفيه المَفتوح تَجد الأُرز البنجَابي؛ مُنسَجِمًا مَع الفُول الحِجَازي، والبُرتقَال المِصري بجوَار الموز اليَمني، والكبّة اللبنانيّة تَتعايش مَع الكَبَاب الحَلبي، ونَجد -أيضًا- الشّيش طَاووق التُّركي؛ يَتآخَى مَع البيتزَا الإيطَاليّة..!

الغَريب في الأَمر أنَّ “بَابا غنّوج”، و”أُم عَلي”، يَجلسان عَلى طَاولة وَاحِدة، دُون أنْ نُنكر عَليهما اختلَاطهما، كُلّ هَذا التَّنوّع الغِذَائي جَميل، ولَكن لمَاذا لَا يُصاحبه تَنوُّع فِكري، حَتَّى ندلّع ونُدلّل عقُولنا، مِثلما ندلّع ونُدلّل بطُوننا؟!

لمَاذا لَا تَكون الخيَارات مُتَاحة أمَام العقُول، مِثلما هي مُتَاحة أمَام البطُون؟ لمَاذا لا نَجد الفِكر الهِندي بجوَار المَطبخ الهِندي؟ وأفكَار الأترَاك بجوَار شَاورمتهم؟ وكُتب السُّوريين بمُحَاذَاة كَبابهم الحَلبي؟ ودوَاوين “البَردوني والمقالح والشامي” بجوَار المَعصوب اليَمني؟!

لمَاذا لَا نَجد أفكَار المَذَاهِب والطَّرائق كـ”الشافعي، والمالكي، والحنفي، والحنبلي، والسلفي، والصوفي، والصحوي”، بجوَار تِلك المَطعومَات؛ حتَّى يَكتمل طَعام الأجسَام مَع طَعام العقُول والأفهَام؟!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَا قَوم، حَاولوا أنْ تُوسّعوا مِن مَذهبكم الفِكري، مِثلَما وسّعتم وتَسامحتم في مَذهبكم الغِذَائي.. نُريد قَائمة العلُوم تُوازي قَائمة الطَّعام والبطُون، لتَكون قَائمة العلُوم والفنُون مُتسَامحة ومُتنوّعة، مِثل قَائِمة الأطعِمَة والبطُون..!!

التصنيفات
المقالات

البلادة ترسّخ العادة ..

العَادة رُوتين يَومي؛ يَكتسبه الإنسَان مَع الوَقت، ويَتمكّن مِنه حتَّى يُصبح طَبيعة ثَانية، فالأشيَاء -مَع مرُور الوَقت- تَتحكَّم بالإنسَان، وتُصبح مِن عَادَاته، وقَد قَال أَهلُنَا في الحِجَاز: (كُلُّ شَيءٍ عَادَة حتَّى العِبَادَة)..!

والعَادَة -بحَدِّ ذَاتها- لَيست عَيباً؛ إذَا كَانت عَادَة حَميدَة، ولَكن مُشكلة العَادَة الكُبرَى؛ حِين تَكون عَادَة سيّئة، لأنَّه يَصعب التَّخلُّص مِنهَا، إذَا تَمكّنت مِن الإنسَان..!

والغَريب في العَادَة، أنَّها سَهلة التَّمكُّن، صَعبة الإزَالَة، وفي ذَلك يَقول الشَّاعِر القروي:
فَلَمْ أَرَ كَالعَادَاتِ شَيْئاً بِنَاؤُهُ
يَسِيرٌ وَأَمَّا هَدْمُهُ فَعَسِيرُ

إنَّ لكُلِّ زَمانٍ عَادَاتَه، والعَادَات هي التي تَصنع الإنسَان، وتَتحكَّم في المُجتَمع، لذَلك قِيل منذ زمنٍ سحيق: (العَادَة قَانون غَير مَكتُوب)..!

إنَّ العَادَة مِن صُنع إرَادَتنا، لذَلك يَجب أنْ نُحسن اختيَار عَادَاتنا، وقَد انتَبَه إلَى ذَلك أحد الفلاسفة، حَيثُ يَقول: (نمِّ في نَفسِكَ العَادَات، واحْبِب التي تَرغب في أنْ تَكون سيّدة عَليك).. نَعم نمِّ العَادَات الحَسَنَة، لأنَّ العَادة –كَما أَشَرْت- مَع الوَقت تُصبح طَبيعة ثَانية..!

كُلُّ شَيءٍ جَديد تَفعله مَع مرُور الوَقت؛ يَتحوَّل إلَى عَادَة، فأنتَ مَثلاً إذَا جرَّبتَ أنْ تَشرب سِيجَارة، فهَذا “تَجريب”، ولَكنَّه يَوماً بَعد يَوم سيَتحوَّل إلَى “عَادَة”؛ لا يُمكن التَّخلُّص مِنها، حتَّى تُصبح أَسيراً للسِّيجَارة، بحَيثُ تَبحث عَنها، وتَبحَث عَن المَكَان الذي مِن المُمكن أنْ تَجدها فِيهِ، أو تَشربها فِيهِ..!

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي الإشَارة إلَى أنَّني أُؤمن بالمَثَل الرُّوسي القَائِل: (في وسع المَرء أنْ يُعوّد نَفسه عَلى كُلّ شَيء، حتَّى عَلى الجَحيم)..!!!

التصنيفات
المقالات

الزواج العرفي بين العدسة والأغنية في سيلفي

أصبَح التَّبادُل والتَّناقُل؛ والتَّعارُف والتَّداخُل بَين وسَائل الاتّصال، أمرًا مُشاهَدًا وبشَكلٍ قوي، فمَثلًا أصبَح «تويتر» يُؤثِّر عَلى «الفيسبوك»، و»الفيسبوك» يُحرِّك «الصّحَافَة»، و»الصَّحافَة» تُحرِّك «الواتس أب»، و»الواتس أب» يُحرِّك «الصُّحف الإلكترونيّة».. وهكَذا نَدخل في دَائرة مُتّسعة؛ مِن الشَّبكَات الإلكترونيّة والعَلاقَات المُتعدِّدة..!

ولَكن -ومَا بَعد لَكن غَريب أحيَانًا- دَخَلَت الأُغنية بجَسَارة عَلى خَطّ هَذه العَلاقَات التَّفاعليّة، حَيثُ سَمعنا عَشرَات الأغَانِي؛ التي تَتغنَّى بسَاعي البَريد، والهَاتِف، وبالبيجر -رحمه الله-، وبالتّلفاز.. كُلّ هَذا مَرّ وعَبَر، وقِيل وبِيع وانتَشر، ولَكن مَا نَحن بصَدده اليَوم «جَديد»، ألا وهو اخترَاع تَصوير «سيلفي»، الذي أصبَح شُغل النَّاس وأكبَر طمُوحَاتهم، وأقصَى أُمنيَاتهم..!

ومِن شدّة سَطوة عَملية تَصوير «سيلفي»، أنَّها اقتَحَمت الأُغنية بكُلِّ قوّة، ومُؤخَّرًا نَزَلَت إلَى الأسوَاق أُغنية «يَلاّ نَاخذ سيلفي»، للفنّان الإمَاراتي «فايز السعيد»، حَيثُ تَقول بَعض كَلِمَاتها:
يلاّ ناخذ سيلفي/ اقترب يا غالي
كفّك انت بكفّي/ نقهر اللي في بالي
ابتسم للصورة/ لاجل تطلع أحلى
واصحى تنسى الغمزة/ انت تسحر والله
قرّب أكثر/ لا يهمّك أي ملام
احنا أكبر/ من إشاعات وكلام

إنَّنا أمَام مَشهد جَديد مِن مَشَاهِد العَولمة، حَيثُ تَتدَاخَل التّكنولوجيا وأفَاعيلها؛ بالأُغنية وأحَابيلها، ليَحيا العَالَم في ظِلّ التَّعايش والتَّشَابك، والتَّداخُل والتَّشارُك في كُلِّ تَموّجاته عَلى أَرض الوَاقِع، فحَركة «سيلفي» تُلهم «الشَّاعِر»، و»الشَّاعِر» يُلهم «المُطرب»، و»المُطرب» يَصوغ «اللّحن»، ليَتمتَّع المُجتمع بهَذه المَنظومَة التَّكامليّة القَويّة؛ بَين الإنسَان بمشَاعره، والآلَات بإلهَامَاتها ومُعطيَاتها..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ نُؤكِّد أنَّ عَالَم التَّداخُل بَين الأشيَاء أصبَح ضَروريًّا، لدَرجة أنَّني بَعد هَذه الكِتَابَة؛ سآخذ صُورة «سيلفي» مَع كِتَاب يَتحدَّث عَن «ثَقَافة الصّورة»، لنَتدَاخل أنَا وفِكرة الكِتَاب في صُورة وَاحِدة..!!!

 

التصنيفات
المقالات

أمنيات 1436هـ

هَا هو العَام الجَديد يَفتح شرَاعه، وكَأنَّه سَفينة تَحمل 360 يَومًا، ولَا نَعلم مَا بدَاخل هَذه الأيَّام، فهي كالمَرأة الحَامِل التي تُخبئ في بَطنها مَا تُخبئ..!

عِندَما حَلّ العَام الجَديد؛ هَجَم عليَّ شَيطان الشّعر، فقُلت:
سَعِدْتُ بِطَلَّةِ العَامِ الجَدِيدِ
وَذَاكَ تَفَاؤُلِي يَحْمِي نَشِيدِي
أُغَرِّدُ لِلسَّعَادَةِ كُلَّ يَوْمٍ
لَعَلَّ السَّعْدَ يَسْعَى لِلسَّعِيدِ

في بِدَاية هَذا العَام، دَعوني أُطلق الأمَاني والأمنيَات، فمَا الإنسَان إلَّا كُتلَة مِن الأُمنيَات؛ تَمشي عَلى قَدمين، ومَا أَضيق العَيش لَولا فُسحة الأَمَل..!

في بدَاية العَام؛ لَديَّ أَمَانٍ خَاصّة، وأمَانٍ عَامّة.. أمَّا الخَاصَّة، فأتمنَّى أن يُسبغ الله الصّحة والعَافية عَلى وَالدتي؛ السيّدة العَظيمَة “لولوة العجلان”، وأنْ يَجعلها في زُمرة السُّعدَاء والسَّعيدَات.. كَما أتمنَّى أن يَرزقني الله العَفو والعَافية؛ في الدُّنيا والآخرَة..!

هَذا مَا كَان مِن الأمَاني الخَاصَّة.. أمَّا الأمَاني العَامَّة، فهي التَّمنِّي والرّجَاء بأنْ يَعمّ السَّلام والخَير والجَمَال؛ أنحَاء الكُرَة الأرضيّة.. أعلَم أنَّ هَذه الأُمنية مُستحيلة، ولَكن دَعوني أُعلّل النَّفس بالأمَاني:
أُعَلِّلُ النَّفْسَ بِالأَمَانِي أَرْقُبُهَا
مَا أَضْيَقَ العَيْشَ لَوْلاَ فُسْحَةُ الأَمَلِ

في بدَاية العَام؛ أتمنَّى لوَطني الازدهَار، بَأنْ يَصل لمَصاف العَالَم الأوّل، وأنْ تَضيق فِيهِ دَائِرة الفَسَاد، وتَنتَهي فيه ظَاهرة البَطَالة، بإقبَال شَبابُنَا عَلى المِهَن الحُرَّة، وتَذليل الصّعاب لَهم مِن قِبَل القِطَاع الخَاص، وذَلك بتَقديم الوَظائِف التي تُناسب مُؤهلاتهم..!

في هَذا العَام الجَديد؛ أتمنَّى عَلى وزَارة الإسكَان؛ وأَخصُّ بالذِّكر وَزيرها الدّكتور “شويش الضويحي”، أنْ تَفي بوَعدها -عَاجلاً ولَيس آجلاً- بتَوفير السَّكن المُريح للموَاطن، خَاصَّة وأنَّ الدّولَة لَم تُقصِّر؛ في تَقديم الدَّعم السَّخي لبرنَامج “إسكَان”، الذي يَهدف إلَى تَوفير مَسكن مُنَاسب للأُسر المُستحقَّة..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقيَت أُمنياتٌ وأُمنياتٌ، تَتحشرَج في الصَّدر، لَعلّي أَقولها في العَام المقبل؛ حِينَما تَتحقّق أُمنيَات هَذا العَام..!! 

 

التصنيفات
المقالات

طهر رجسك في عبارة «مع نفسك»

انتَشَرَت في الآونَة الأخيرَة كَلِمَة “مَع نَفسك”، وتُقال حِين يُناقش صَديقاً صَديقه، فيَقول أَحدُهمَا كَلاماً غَير مَعقول، فيَردُّ عَليه السَّامِع بقَوله: “مَع نَفسك”..!

وبحُكم أنَّني أُحبُّ مُمَارسة اللُّغَة، والتَّوغُّل في مَعانيها، طَاب لِي ذَات صَبَاح أنْ أُدَاعِب هَذه المُفرَدة، وأُقلّبها، لقرَاءة المَعنَى فِيها، وظِلَال المَعْنَى..!

وقَد تَعلَّمتُ مَع الأيَّام؛ أنَّ الكَلِمَة عِندَما تُنزع عَنها قشُورها، يَظهر لَكَ الجَوهر، وكَأنَّه يُعطيك مَعْنَىً جَديداً، لَم تَكن لتُدركه إلَّا بَعد إزَالة القشُور..!

“مَع نَفسك”، كَلِمَة مُحبّبة إلَى النَّفس، فمَن مِنَّا لا يُريد أنْ يَختلي بنَفسه؟ والاختلَاء بالنَّفس نَوعٌ مِن أنوَاع العُزلة المُحبَّبة، التي تَجعلك مطرقاً في مِحرَاب التَّأمُّل، وخَاشِعاً في فَضَاء التَّفكير..!

إنَّ الجلُوس مَع النَّفس والاختلَاء بِهَا؛ مِن أرقَى حَالَات الزُّهد، وقَد تَوسّع في هَذا؛ الذين كَتبوا عَن الصّوفيّة والتَّصوُّف حِين قَالوا: “حَدّثتني نَفسي قَائلة”، وقَد قَال في ذَلك “أحمد شوقي” في “نهج البردة”:
لَمّا رَنا حَدَّثَتني النَفسُ قائِلَةً
يا وَيحَ جَنبِكَ بِالسَهمِ المُصيبِ رُمي

أكثَر مِن ذَلك أقول: مَع نَفسي، لأنَّ النَّفس هي الغَالية، والجلُوس مَعها غَالٍ مِثلها، ونَظراً لأنَّها ثَمينة، فلَا يَجود بِهَا إلَّا الشُّهدَاء، وقَد قَال الله تَعَالَى: (إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ)..!

كَمَا أنَّ “المُتنبِّي” امتَدَح صَاحبه الذي يَجود بنَفسه، حَيثُ قَال:
يَجُودُ بِالنَّفْسِ إِنْ ضَنَّ الجَوَادُ بِها
والجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصى غَايَةُ الجُودِ

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ أَقُول: يَا إلَهي، كَيف أصبَحت عِبَارة “مَع نَفسك” شتيمة؟!.. الجَوَاب لَدَى المُفكِّر الشّيخ “علي الطنطاوي”، حِين قَال: (كَيف أصبَحنا أعدَاء لأنفُسِنَا، لدَرجة أنَّ الوَاحِد مِنَّا يَضيق ذَرعاً بنَفسه، فلا يَستطيع الاختلَاء بِهَا؛ إنْ طَلَب مِنه الطَّبيب الانتظَار مُدّة عَشر دَقائق، ليَصل إلَى قَنَاعَة مَفَادها: أنَّنا نَسينَا الله فأنسَانَا أَنفُسنَا)..!!!

 

التصنيفات
المقالات

تجديد اللفظ في سيرة الوعظ ..

بِالأَمس تَحدَّثنا عَن النَّهي عَن وَعظ مَن لَا يَتّعظ، وطَرحنا بَعض الأقوَال في هَذا الصَّدَد، واليَوم نَرَى الجَانِب الآخَر مِن ضَفّة الوَعظ، وأعنِي بِهِ الحَثّ عَلى وَعْظ مَن لَم يتّعظ، حتَّى وإن كَانوا يُمارسون الفِعْل نَفسه، وأقرَب دَليل عَلى هَذا؛ قَول الله -عز وجَلّ-: (كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ)، ومَعْنَى يَتَنَاهَوْنَ: أنْ يَنْهَى بَعضهم بَعضًا، مَع أنَّهم يُمارسون الفِعل نَفسه..!

قَال بَعضهم: (لَا يَمْنَعكُم سُوء مَا تَعلمون مِنّا، أنْ تَعملوا بأحسَن مَا تَسمعون مِنّا)..!

أكثَر مِن ذَلك: وَقَفَ رَجُل عَلى أَحد الوُعّاظ وهو يَعظ النَّاس، فأنشَد قَائلاً:
وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى
طَبِيبٌ يُدَاوِي وَالطَّبِيبُ مَرِيضُ
فأجَابه الوَاعِظ قَائلاً:
اعْمَلْ بِعِلْمِي وَإِنْ قَصَّرْتُ فِي عَمَلِي
يَنْفَعُكَ عِلْمِي وَلاَ يَضْرُرْكَ تَقْصِيرِي

وجَاء في الأثَر النَّبوي أنَّ المُصطَفَى -صَلّى الله عَليه وسلم- قَال: (مُرُوا بِالمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ، وانْهُوا عَنِ المُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ)..!

إنَّ الحُكمَاء والعُقلاء يُكذبون المَثَل القَائِل: (فَاقِد الشّيء لَا يُعطيه)، بمعنَى أنَّ فَاقِد الشّيء قَد يُعطيه، فمَثلاً أُمِّي «لولوة العجلان» –مَتَّعها الله بالصّحة والعَافية- سَيّدةٌ أُمّية، لَا تَقرأ ولا تَكتب، ومَع ذَلك حَفّزتني عَلى طَلب العِلْم؛ حتَّى هَذه اللَّحظَة.. 

مِن هُنا أَقول: يَا قَوم اعطُوا خِبرتكم وتَجاربكم للآخرين، ولَا تَتعجَّبوا حِينَما تَرون الطَّبيب مُدخِّنًا، ويَنصح النَّاس بتَرك التَّدخين..!

فلقَد صَدَق الشَّاعِر حِين قَال:
ولَو لَم يَعِظ في النَّاسِ مَن هو مُذنبٌ
فمَن يَعِظ العَاصين بَعد مُحَمّدِ

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ نَستَشهد بذَلك الحَكيم الذي قَال: (اللَّهم إنَّك تَعلَم أنِّي نَصحتُ للنَّاس قَولاً وخُنت نَفسي، فهَب خيَانتي لنَفسي لنَصيحتي للنَّاس)..! 

التصنيفات
المقالات

مزايا الفقر ..

كل الناس يكتبون عن الغِنَى وعطاياه، والترفيه ومزاياه، وكيف أن السعة في المال تجلب الراحة والطمأنينة في كل الأحوال.

ولكني هنا سأتكلم عن مزايا الفقر التي عِشتها، ومازلت أُعايشها في كل الأوقات، ولن أُبالغ في ذلك ولن أكذب، لأن الحقائق تقول: إن كل شيء في الحياة –بما فيها الفقر- له وجهان، وجه سلبي، وآخر إيجابي، لذا سأتحدث عن مزايا الفقر.

ولعل أول مزاياه؛ أنه يحميك من كثرة الأصدقاء، الذين يُضيّعون وقتك، ويسرقون منك أعز ما تملك، لذا دائما تجد الناس يزدحمون على أبواب الأغنياء، ويهربون من منازل الفقراء.

ومن مزايا الفقر أيضاً، أن الفقير فقير؛ وهو لا يملك شيئا، بينما الغَني قد يكون فقيراً، رغم أنه يملك كل شيء، لذلك قالت العرب: (إن رجلاً بلا مال، رجل فقير، ولكن الأفقر منه رجل ليس لديه إلا المال).

ومن ناحية ثالثة، إن الفقر يحميك من الأطماع، لأن الغَني هو المستهدف في كل عملية نصب، وطَمَع وجَشَع، بينما الفقير يعبر في هذه الدنيا دون أن يستقصده جَشَع، أو يستهدفه طَمَع.

أما الناحية الرابعة فهي؛ أن الفقير محمي من الأزمات النفسية والطبية، لأن المال يهلك صاحبه، وقد قال في ذلك الشاعر الحكيم:
وَقَد يُهْلِكُ الإنْسَانَ كَثْرَةُ مَالِهِ
كَمَا يُذْبَحُ الطَّاوُوس مِنْ أَجْلِ رِيشِهِ

ومن جهة خامسة، فإن الفقر يحميك من “المتسلتحين”؛ طالبي السلف والمستدينين، وكما هو معروف عند أهل الخبرة؛ بأن “السُّلْفَة” تجعلك تخسر صديقك، وتخسر مَالَك في وقتٍ واحد، لأن المُقترض لا يُسدِّد الدين إلا عن طريق الخِصام، أو عن طريق الشرطة، وقليل منهم من يُسدّده بكل أدبٍ واحترام.

في النهاية أقول: كل هذه المزايا السابقة في الدنيا.. أما في الآخرة، فالفقراء أقل الناس حساباً، لأنهم لم يملكوا المال الذي عنه يُسألون.

التصنيفات
المقالات

تغيير الملافظ مع من لا تفيده المواعظ ..

الوَعظُ مَادَةٌ دَسِمَةٌ، تَهطلُ عَلينا برَغبتِنا، وأحيَانًا رَغمًا عَن أنُوفنا، ولَيس لَنا إلَّا القبُول والتَّسليم، لأنَّ أيَّ حَديثٍ ضَد الوَعظ أو مُحاولة تَهذيبه، سيُدخل صَاحب الحَديث في مَتاهَات واتّهَامَات، هو في غِنى عَنها، وسلَامة مِنها..!

ونَظرًا لأنَّني لَا أخشَى في الله لَومة لَائم، فسأقتَحمُ الوَعظَ، وأكتُبُ حَلقتين، إحدَاهُما عَن أقوَالِ أَهلِ العِلْم في النَّهي عَن وَعظِ مَن لَا يَتّعظ، وفي كِتَابةٍ ثَانيةٍ نَتنَاولُ الحَثَّ عَلى قبُولِ وَعظِ مَن لَيسَ يَتّعظ..!

حَسنًا.. في البدَاية دَعونا نَستَعرض الآرَاء؛ التي تُشير إلَى النَّهي عَن وَعظ مَن لَا يَتّعظ، حَيثُ قَالَت العَرب: (وَعظُ مَن لَا يُعيرك سَمعه، ولَا يَشحذ وَعظك طَبعه، كمَن وَضَع المَائدة لأهل القبُور، ورَام بخرقة تَليين الصخُور)..!

أكثَر مِن ذَلك، تَقول العَرَب: (فُلان في وَعظه كنَافِخ في قَفص، وقَاصٍّ في مَقبرة).. وقِيل أيضًا: (لَا يَنجح الوَعظ في القلُوب القَاسية، كَما لَا يَزكُ البِذر في الأرض الجَاسية).. وقَال بَعضهم: (مَن استَثْقَل سَماع الحَقّ، فهو للعَمَل بِه أكثَر استِثْقَالاً)..!

وقَد اشتُرِط التَّلطُّف والمُلاينة في الوَعظ، وفي ذَلك تَروي الكُتب أنَّ (رَجُلاً تَصدّى للرَّشيد فقَال: “إنِّي أُريد أنْ أُغلظ عَليك في المَقَال، فهَل أنتَ مُحتَمِل؟ قَال: لَا، لأنَّ الله تَعالى أرسَل مَن هو خَيرٌ مِنك؛ إلَى مَن كَان شَرًّا منِّي، فقَال: “فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى”)..!

وقِيل: (الوَاجِب لمَن يَعظ أن لَا يُعنِّف، ولمَن يُوعظ ألا يَأنَف). وقَال حَكيم: (السَّعيد مَن اتّعظ بغَيره، والشَّقي مَن وُعِظ بِه غَيرُه).. وقِيل: (يَا لَها مِن مَوعظة لَو وَافقت في القلُوب حيَاة)..!

حَسنًا.. ماذا بقي؟!
بَقي أن نَنتَظَر حتَّى الغَد، لنَرَى مَوقف أهل الحِكْمَة مِن استمرَار وَعظ مَن لَيس يَتّعظ..!! 

 

التصنيفات
المقالات

محاولات ماكرة للخلط بين الكتابة والخاطرة

يَخلطُ كَثيرٌ مِن الكُتّاب؛ بَين الكِتَابَة (المَقَالَة) والخَاطِرة، لذَلك دَعونا في هَذا اليَوم العَامِر بالبَهَاء، والصَّفَاء والنَّقَاء، أن نُدردش حَول الخَاطِرَة، وفُستَانها الآسِر..!

قَال الفَراهيدي: (وخَطَرَ عَلى بَالي وبِبَالي، كُلّه يَخطِر خَطرانًا وخُطُورًا، إذَا وَقَع ذَلك في بَالك وهَمّك.. ويُقال: مَا لَقيته إلَّا خطرةً بَعد خطرة، ومَعنَاه: الأحيَان بَعد الأحيَان)..!

ووَرَدَ في القَاموس المُحيط أنَّ (الخَاطِر هو الهَاجِس، جَمْعهُ الخَواطِر، والمُتبختِر كالخطر، وخَطَر ببَاله، وعَليه يَخطِرُ، ويَخطُرُ خُطُورًا، أي ذَكره بَعد النّسيان، وأخطَرَه الله تَعالى، والفَحل بذَنبه يَخطِر خَطْرًا، أو خطرَانًا، وخَطيرًا، ضَرب بِه يَمينًا وشمَالًا)..!

هَذا مَا يَخصُّ الخَاطِرة مِن حَيثُ الجَذْر اللُّغوي، أمَّا مَا يَخصُّ تَعريفها الاصطلَاحي؛ فهي كَما عَرّفها الدّكتور “عزالدين إسماعيل” بأنَّها: (لَيست فِكرَة نَاضِجَة وَليدة زَمن بَعيد، ولَكنَّها فِكرَة عَارِضة طَارِئة. ولَيست فِكرة تُعرَض مِن كُلِّ الوجُوه، بَل هي مُجرَّد لَمحة، ولَيست كالمَقَالة مَجالًا للأَخذ والرَّد، ولا هي تَحتَاج إلَى الأسَانيد والحجَج القَويّة لإثبَات صِدْقها)..

أمَّا مَا يَخصُّ الفَرق بَين مَا يُسمَّى “المَقالة”، فيَستدرك الدّكتور “عزالدين إسماعيل”، ليَقول: (ثُمَّ لَا نَنسَى الاختلَاف في الطّول، فالخَاطِرة أقصَر مِن المَقَالة، وهي لَا تَتجَاوز نِصف عَمود مِن الصَّحيفة وعَمودًا مِن المجلّة)..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! 
بَقي أن نَذكُر أنَّ هُنَاك كِتَابين يَتعلّقان بالخَواطِر، ولَيس بالخَاطِرة، وهُمَا كِتَاب “فَيضُ الخَاطِر” لـ”أحمد أمين”، وكِتَاب “صَيدُ الخَاطِر” لـ”ابن الجوزي”، وكِلَاهُمَا يَسرقَانِي مِن أصحَابي وجُلسَائي. 
التصنيفات
المقالات

نصب الكمين لصيد أوهام المثقفين ..

أوهَامُ المُثقَّفين وغَفلتهم لَا تَقف عِند حَدٍّ، ولا يُوقفها صَدّ، فهي تَتوَالَى مَع الأجيَال، وتَتناسَل مَع الأيَّام، ومَن يَقرأ كُتب التُّراث، يَجد أنَّ كَثيرًا مِن الأُدبَاء والشُّعرَاء، قَد مَرّوا بأوهَام، ولَم يَفطنوا لَها إلَّا بَعد فَترة مِن الزَّمَان..!

ومِن أبرَز دَلَالات الوَهم؛ أنَّ اليَهود عِندَما حَرّم الله عَليهم الرِّبَا، بَدأوا يُعارضون بقَولهم: «إنَّما البَيع مِثل الرِّبا»، وغَفلوا عَن أنَّ التَّحريم مُنصبٌّ عَلى الرِّبا ولَيس البَيع، وكَان الأجدَر بِهم أنْ يَقولوا: «إنَّ الرِّبا مِثل البَيع»، لذَلك كَانت الآيَة تَستنكر عَليهم ذَلك، حَيثُ تَقول: (وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)..!

هَذا في القَديم، أمَّا في الحَديث، فقَد حَدّثني الصَّحفي المَرموق «ميرزا الخويلدي» قَائلًا: (تَخيَّل -يَا أحمَد- أنَّ الأُستَاذ زيَاد الدّريس كَان يَعتقد أنَّني امرَأة، لأنَّه تَخيَّل أنَّ اسم «ميرزا» هو اسم امرَأة، لا اسم رَجُل)، وهَذه مِن طَرائف -أبي عبدالله- زياد بن دريس «النَّجدي الفرنسي»..!

ومِن أوهَام المُثقَّفين -أيضًا- أنَّ الدّكتور «عبدالله الغذّامي»؛ أثنَى في مُحَاضرة عَلى الرِّوائيّة «واسيني الأعرج»، هَكَذا بكُلِّ ثِقة الجَاهِل، ويَقين الغَافِل، ومَا عَلِمَ أنَّ «واسيني الأعرج» هو روَائي فَحل، مِثل «ميرزا الخويلدي» تَمَامًا..!

ومِن طَرائف مَا يُروَى، أنَّ صَديقنا الإعلَامي النَّاجِح «مساعد الثبيتي» سَألني قَائلًا: (يَا أحمَد، أين أجد دوَاوين الشَّاعرة المِصريّة «أمل دنقل»؟)، فقُلت لَه: ثَكلتك أُمّك يَا «مساعد»، «أمل دنقل» شَاعر فَحل مِثل «ميرزا الخويلدي، وواسيني الأعرج»، ولَه قَصيدة مَشهورة اسمها «لا تَصالح»، ولَه كَذلك قَصيدة «الشّيطان مَن قَال لَا، في وَجه مَن قَالوا نَعم»..!

وآخر مَا يَحضرني مِن الأوهَام، أنَّ الأديب الرَّاحِل «عزيز ضياء»؛ كَان يَعتقد أنَّ الكَاتِب النَّبيل والرَّجُل الأصيل «وديع فلسطين» اسم وَهمي، ولَم يَكن يَعلم أنَّ هَذا الرَّجُل أديب مِصري، رَفيع القَلم والقمّة والقَامَة، وأدين لَه بكَثيرٍ مِن الفَضل..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: إنَّ أوهَام المُثقَّفين كَثيرة، ومَن يَدري لَعلَّني أجمَع -يَومًا مَا- أوهَام هَؤلاء وغَيرهم في كِتَابٍ مُستقل؛ يَحمل عِنوَان: «نَصب الكمين لصيد أوهَام المُثقَّفين»..!!