توصيف ميزانية الحجاج

لَقِيَتْ ذكريات الحج التي انبثقت من الذاكرة أصداءٌ كبيرة، الأمر الذي أغراني بكتابة المزيد من تلك الذكريات؛ التي مازالت عالقة داخل الجمجمة.

في طفولتنا كنا نعمل مع الحجاج، ونبيع عليهم ونشتغل عندهم.. وكنا نجني أرباحا وفيرة من ذلك العمل، لدرجة أن بعضنا يحتار أين ينفق أمواله؛ التي جناها جرّاء عمله في الحج.

أتذكر أنني عملت في سكن حجاج إيرانيين، وكان هذا في حدود عام 1403هـ في المدينة المنورة، عملت لمدة ثلاثة أسابيع، بعد ذلك دفعوا لي أجرة عملي ما يقارب 7000 ريال، فاشتريت دباباً بألفي ريال، وتركت الباقي وديعة عند أمي؛ أستفيد منها إذا كبرت.

لقد كان حجاج إيران -في ذلك الوقت- على مستوى عالِ من الثراء، فكانوا يعطون عطاء مَن لا يخاف الفقر.. فسبحان مُغيِّر الأحوال.

بعد ذلك عملت مع ابن أختي في تجارة الأقمشة.. وكان معظم الزبائن من أهل “موريتانيا ونيجيريا، والسنغال وإيران وجزر القمر”.. وكل هؤلاء الحجاج القادمين من هذه الدول؛ كانوا يُنفقون ويشترون ويتبضّعون، حيث كانت دولهم ثرية غنية..

لذا، إذا انتهى الحج، رأيت وشعرت بتحسُّن الحالة المادية عند أهل المدينة، ويكفي أن أقول: إن بعض أصحاب العمائر الكبيرة؛ كانوا لا يُؤجّرونها إلا أيام الحج فقط، وما ذلك إلا للدخل الكبير؛ الذي يدرّه الحجاج على أصحاب تلك العمائر.

أكثر من ذلك، كان بعض أصحاب العمائر -الذين تقع عمائرهم بجوار الحرم- يشترطون على مَن يستأجر منهم -بشكل سنوي- أن يخرج في فترة الحج، لكي يتم تأجير العمارة للحجاج.

إن الحج عبادة واستفادة، وتلاقح وتسامح، وفلاح ونجاح، وتعارف وتقارب، وهنيئا لمن يُحقِّق هذه المفاهيم في الحج.

في النهاية أقول: لقد كان الحج في تلك الأيام؛ مصدر رزق ننتظره كل عام، وكنا نستبشر بقدومه ونتباشر به، لأن ميزانية كل واحد منا ستتحسن بعد الحج.

Leave Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *