تجديد اللفظ في سيرة الوعظ ..

بِالأَمس تَحدَّثنا عَن النَّهي عَن وَعظ مَن لَا يَتّعظ، وطَرحنا بَعض الأقوَال في هَذا الصَّدَد، واليَوم نَرَى الجَانِب الآخَر مِن ضَفّة الوَعظ، وأعنِي بِهِ الحَثّ عَلى وَعْظ مَن لَم يتّعظ، حتَّى وإن كَانوا يُمارسون الفِعْل نَفسه، وأقرَب دَليل عَلى هَذا؛ قَول الله -عز وجَلّ-: (كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ)، ومَعْنَى يَتَنَاهَوْنَ: أنْ يَنْهَى بَعضهم بَعضًا، مَع أنَّهم يُمارسون الفِعل نَفسه..!

قَال بَعضهم: (لَا يَمْنَعكُم سُوء مَا تَعلمون مِنّا، أنْ تَعملوا بأحسَن مَا تَسمعون مِنّا)..!

أكثَر مِن ذَلك: وَقَفَ رَجُل عَلى أَحد الوُعّاظ وهو يَعظ النَّاس، فأنشَد قَائلاً:
وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى
طَبِيبٌ يُدَاوِي وَالطَّبِيبُ مَرِيضُ
فأجَابه الوَاعِظ قَائلاً:
اعْمَلْ بِعِلْمِي وَإِنْ قَصَّرْتُ فِي عَمَلِي
يَنْفَعُكَ عِلْمِي وَلاَ يَضْرُرْكَ تَقْصِيرِي

وجَاء في الأثَر النَّبوي أنَّ المُصطَفَى -صَلّى الله عَليه وسلم- قَال: (مُرُوا بِالمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ، وانْهُوا عَنِ المُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ)..!

إنَّ الحُكمَاء والعُقلاء يُكذبون المَثَل القَائِل: (فَاقِد الشّيء لَا يُعطيه)، بمعنَى أنَّ فَاقِد الشّيء قَد يُعطيه، فمَثلاً أُمِّي «لولوة العجلان» –مَتَّعها الله بالصّحة والعَافية- سَيّدةٌ أُمّية، لَا تَقرأ ولا تَكتب، ومَع ذَلك حَفّزتني عَلى طَلب العِلْم؛ حتَّى هَذه اللَّحظَة.. 

مِن هُنا أَقول: يَا قَوم اعطُوا خِبرتكم وتَجاربكم للآخرين، ولَا تَتعجَّبوا حِينَما تَرون الطَّبيب مُدخِّنًا، ويَنصح النَّاس بتَرك التَّدخين..!

فلقَد صَدَق الشَّاعِر حِين قَال:
ولَو لَم يَعِظ في النَّاسِ مَن هو مُذنبٌ
فمَن يَعِظ العَاصين بَعد مُحَمّدِ

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ نَستَشهد بذَلك الحَكيم الذي قَال: (اللَّهم إنَّك تَعلَم أنِّي نَصحتُ للنَّاس قَولاً وخُنت نَفسي، فهَب خيَانتي لنَفسي لنَصيحتي للنَّاس)..! 

Leave Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *