طهر رجسك في عبارة «مع نفسك»

انتَشَرَت في الآونَة الأخيرَة كَلِمَة “مَع نَفسك”، وتُقال حِين يُناقش صَديقاً صَديقه، فيَقول أَحدُهمَا كَلاماً غَير مَعقول، فيَردُّ عَليه السَّامِع بقَوله: “مَع نَفسك”..!

وبحُكم أنَّني أُحبُّ مُمَارسة اللُّغَة، والتَّوغُّل في مَعانيها، طَاب لِي ذَات صَبَاح أنْ أُدَاعِب هَذه المُفرَدة، وأُقلّبها، لقرَاءة المَعنَى فِيها، وظِلَال المَعْنَى..!

وقَد تَعلَّمتُ مَع الأيَّام؛ أنَّ الكَلِمَة عِندَما تُنزع عَنها قشُورها، يَظهر لَكَ الجَوهر، وكَأنَّه يُعطيك مَعْنَىً جَديداً، لَم تَكن لتُدركه إلَّا بَعد إزَالة القشُور..!

“مَع نَفسك”، كَلِمَة مُحبّبة إلَى النَّفس، فمَن مِنَّا لا يُريد أنْ يَختلي بنَفسه؟ والاختلَاء بالنَّفس نَوعٌ مِن أنوَاع العُزلة المُحبَّبة، التي تَجعلك مطرقاً في مِحرَاب التَّأمُّل، وخَاشِعاً في فَضَاء التَّفكير..!

إنَّ الجلُوس مَع النَّفس والاختلَاء بِهَا؛ مِن أرقَى حَالَات الزُّهد، وقَد تَوسّع في هَذا؛ الذين كَتبوا عَن الصّوفيّة والتَّصوُّف حِين قَالوا: “حَدّثتني نَفسي قَائلة”، وقَد قَال في ذَلك “أحمد شوقي” في “نهج البردة”:
لَمّا رَنا حَدَّثَتني النَفسُ قائِلَةً
يا وَيحَ جَنبِكَ بِالسَهمِ المُصيبِ رُمي

أكثَر مِن ذَلك أقول: مَع نَفسي، لأنَّ النَّفس هي الغَالية، والجلُوس مَعها غَالٍ مِثلها، ونَظراً لأنَّها ثَمينة، فلَا يَجود بِهَا إلَّا الشُّهدَاء، وقَد قَال الله تَعَالَى: (إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ)..!

كَمَا أنَّ “المُتنبِّي” امتَدَح صَاحبه الذي يَجود بنَفسه، حَيثُ قَال:
يَجُودُ بِالنَّفْسِ إِنْ ضَنَّ الجَوَادُ بِها
والجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصى غَايَةُ الجُودِ

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ أَقُول: يَا إلَهي، كَيف أصبَحت عِبَارة “مَع نَفسك” شتيمة؟!.. الجَوَاب لَدَى المُفكِّر الشّيخ “علي الطنطاوي”، حِين قَال: (كَيف أصبَحنا أعدَاء لأنفُسِنَا، لدَرجة أنَّ الوَاحِد مِنَّا يَضيق ذَرعاً بنَفسه، فلا يَستطيع الاختلَاء بِهَا؛ إنْ طَلَب مِنه الطَّبيب الانتظَار مُدّة عَشر دَقائق، ليَصل إلَى قَنَاعَة مَفَادها: أنَّنا نَسينَا الله فأنسَانَا أَنفُسنَا)..!!!

 

Leave Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *