المساواة في الفنون بين العقول والبطون ..

تَحلو سِيرة الحَديث عَن الأطعِمَة في أجوَاء العَزَايم والأفرَاح، واللّيالي المِلَاح، لذَلك أُحبُّ أنْ أدغم في مَقالي؛ ذِكر المَطعومات، لَعلّها تُخفّف مِن سِيرة الجوع، وروَاية العَطَش، لأسأل: لمَاذا نَقبل التَّنوُّع في الأطعِمَة والأشرِبَة؟ حَيثُ يُوجد لَدينا المِئَات مِن البُوفيهَات المَفتوحة، ولا يَوجد لَدينا مَا يُماثلها مِن بُوفيهَات الأفكَار المَفتوحَة، بَل وَصَل الحَد بِنَا إلَى تَعميم البُوفيهَات المَفتوحة، حتَى أَمسينَا مِثل بَني إسرَائيل، لا نَصبر عَلى طَعامٍ وَاحد؟!

في البُوفيه المَفتوح تَجد الأُرز البنجَابي؛ مُنسَجِمًا مَع الفُول الحِجَازي، والبُرتقَال المِصري بجوَار الموز اليَمني، والكبّة اللبنانيّة تَتعايش مَع الكَبَاب الحَلبي، ونَجد -أيضًا- الشّيش طَاووق التُّركي؛ يَتآخَى مَع البيتزَا الإيطَاليّة..!

الغَريب في الأَمر أنَّ “بَابا غنّوج”، و”أُم عَلي”، يَجلسان عَلى طَاولة وَاحِدة، دُون أنْ نُنكر عَليهما اختلَاطهما، كُلّ هَذا التَّنوّع الغِذَائي جَميل، ولَكن لمَاذا لَا يُصاحبه تَنوُّع فِكري، حَتَّى ندلّع ونُدلّل عقُولنا، مِثلما ندلّع ونُدلّل بطُوننا؟!

لمَاذا لَا تَكون الخيَارات مُتَاحة أمَام العقُول، مِثلما هي مُتَاحة أمَام البطُون؟ لمَاذا لا نَجد الفِكر الهِندي بجوَار المَطبخ الهِندي؟ وأفكَار الأترَاك بجوَار شَاورمتهم؟ وكُتب السُّوريين بمُحَاذَاة كَبابهم الحَلبي؟ ودوَاوين “البَردوني والمقالح والشامي” بجوَار المَعصوب اليَمني؟!

لمَاذا لَا نَجد أفكَار المَذَاهِب والطَّرائق كـ”الشافعي، والمالكي، والحنفي، والحنبلي، والسلفي، والصوفي، والصحوي”، بجوَار تِلك المَطعومَات؛ حتَّى يَكتمل طَعام الأجسَام مَع طَعام العقُول والأفهَام؟!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَا قَوم، حَاولوا أنْ تُوسّعوا مِن مَذهبكم الفِكري، مِثلَما وسّعتم وتَسامحتم في مَذهبكم الغِذَائي.. نُريد قَائمة العلُوم تُوازي قَائمة الطَّعام والبطُون، لتَكون قَائمة العلُوم والفنُون مُتسَامحة ومُتنوّعة، مِثل قَائِمة الأطعِمَة والبطُون..!!

Leave Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *