التصنيفات
المقالات

طُوبَى مَثنَى وثُلاثْ لبرنَامج الابتعَاثْ ..! (2)

في الوَقت الذي كَان وَزير التَّعليم العَالي يَفتتح مَبنى المُلحقيّة الثَّقافيّة السّعوديّة في بَاريس، تَسرّب إلَى الإعلَام خَبر مَفاده احتوَاء أحد المَناهج الدّراسيّة عَلى مَوضوع عَن مَخاطر الابتعَاث، فكَان افتتَاح المَبنى أكبَر رَدّ عَلى مَن يُشكّك في جَدوى الابتعَاث، ويُحاول اختلَاق مَخاطر حَوله..! ونَظراً لتَجدّد الحَملة الشَّرسة التي يَشنّها البَعض عَلى هَذا المَشروع الوَطني التَّنموي […]

في الوَقت الذي كَان وَزير التَّعليم العَالي يَفتتح مَبنى المُلحقيّة الثَّقافيّة السّعوديّة في بَاريس، تَسرّب إلَى الإعلَام خَبر مَفاده احتوَاء أحد المَناهج الدّراسيّة عَلى مَوضوع عَن مَخاطر الابتعَاث، فكَان افتتَاح المَبنى أكبَر رَدّ عَلى مَن يُشكّك في جَدوى الابتعَاث، ويُحاول اختلَاق مَخاطر حَوله..!

ونَظراً لتَجدّد الحَملة الشَّرسة التي يَشنّها البَعض عَلى هَذا المَشروع الوَطني التَّنموي المُهم، فإنَّه مِن الوَاجب عَليَّ -باعتبَاري أحد المُبتعثين في بريطَانيا- الدِّفاع عَن برنَامج الابتعَاث، وأعتبر ذَلك «فَرض عَين» تُمليه تَجربتي الشّخصيّة، عِرفَاناً لمَن يَقف خَلفه، وامتناناً للمُكتسبات التي تحقّقت لي كطَالب، وإنصَافاً لزُملائي الذين يَدرسون بجُهدٍ؛ لقَطف ثِمَار هَذا البرنَامج الوَطني الرَّائد..!

إنَّ المُرجفين الذين نَذروا أنفسهم لكيل الانتقَادَات؛ آنَاء الليل وأطرَاف النَّهار لبرنَامج الابتعَاث، يَعلمون -قَبل غَيرهم وأكثَر مِن خصُومهم- أنَّ طَلب العِلْم يَرتقي إلَى مَراتب العِبَادة، وأنَّ التَّفرُّغ للعِلْم والارتحَال في سَبيله، مِن أسمَى مَا يَفعله الإنسَان، لتَحقيق جُزء مِن الغَايات التي خَلق الله البَشر مِن أجلهَا، فنَبيّ الله موسى -عليه السَّلام- قَطع مَسافات بَعيدة لطَلب العِلْم عَلى يَدي «الخضر» -عليه السَّلام-، ورَسول الله -صَلَّى الله عليه وبَارك- قَال: (اطلبوا العِلْم ولو في الصّين) -إن صَحّ الحَديث-، وأمر بَعض الصَّحابة الأجلاَّء بالتَّفرُّغ لدرَاسة لُغات مُختلفة..!

لَم أكن أمزَح حِين ذَكرتُ في المَقال السَّابق أنَّ الدّولة الإسلاميّة كَانت في سَالف العصُور قِبلَة لمُبتعثي أوروبا، حِين كَانت العلُوم مُزدهرة في الدَّولة الإسلاميّة، فقَد ذَكر بَعض المُؤرِّخين أنَّ «جورج الثَّاني» -ملك إنجلترا- أرسل بعثَة مُكوَّنة مِن 18 فَتاة -عَلى رَأسهم ابنة أخيه- إلى الأندلس لطَلب العِلْم عَلى أيدي العُلماء المُسلمين، مَع الرِّسَالة التَّالية: (مِن جورج الثَّاني -مَلك إنجلترا، والغال والسّويد والنرويج، إلى الخَليفة مَلك المُسلمين في مَملكة الأندلس، صَاحب العَظمة «هشام الثالث» الجَليل المَقام, وبَعد التَّعظيم والتَّوقير، فقَد سَمعنا عَن الرُّقي العَظيم، الذي تَتمتَّع بفيضه الصَّافي مَعاهد العِلْم والصِّناعات في بِلادكم العَامرة، فأردنا لأبنائِنَا اقتباس نَماذج هَذه الفَضائل، لتَكون بداية حَسنة في اقتفَاء أثركم، لنَشر أنوَار العِلْم في بلادنا، التي يَسودها الجَهل مِن أركَانها الأربعَة, ولقد وَضعنا ابنة شَقيقنا الأميرة «دوبانت»؛ عَلى رَأس بعثة مِن بَنات أشراف الإنجليز، لتتشرَّف بلثم أهدَاب العَرش، والتمَاس العَطف، لتَكون مَع زَميلاتها مَوضع عناية عَظَمتكم، وحمَاية الحَاشية الكَريمة، وحدب مِن لَدن اللواتي يَتوفرن عَلى تَعليمهن.. ولقد أرفقتُ مَع الأميرة الصَّغيرة هديّة مُتواضعة لمَقامكم الجَليل، أرجو التَّكرُّم بقبولها، مَع التَّعظيم والحُب الخَالِص.. مِن خَادمكم المُطيع جورج مَلك إنجلترا)..!

فأجَابه الخَليفة الأندَلسي «هشام الثالث» بمَا يَلي: (بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. الحَمد لله رَب العَالمين، والصَّلاة والسَّلام على نَبيه سيّد المُرسلين وبَعد: إلى مَلك إنجلترا وايكوسيا واسكندنافيا الأجل.. اطّلعتُ عَلى التمَاسكم، فوَافقتُ عَلى طَلبكم، بَعد استشارة مَن يَعنيهم الأمر مِن أربَاب الشَّأن، وعليه نُعلمكم أنَّه سَوف يُنفَق عَلى هَذه البعثَة مِن بيت مَال المُسلمين، دَلالة عَلى مودّتنا لشَخصكم المَلكي.. أمَّا هديّتكم، فقَد تَلقّيتها بسرورٍ زَائد، وبالمُقابل أبعث إليكم بغَالي الطَّنافس الأندلسيّة، وهي مِن صُنع أبنائنا، هديّة لحَضرتكم، وفيها المَغزى الكَافي للتَّدليل عَلى التفاتتنا ومَحبّتنا، والسَّلام.. خَليفة رَسول الله في ديار الأندلس هشام الثالث)..!

بَعد كُلّ هَذا لا يَستطيع أحد؛ أن يُقلِّل مِن شَأن استفَادة الأُمَم مِن بَعضها البَعض، مَهما اختلفت أديانها، وتَباينت أعرَاقها..!

حَسناً.. مَاذا بَقي..؟!

بَقي القَول: إنَّ كُلّ المُعادين -تَقريباً- للابتعَاث لا يُعدّون أكثَر مِن ثَلاثة أنوَاع، النّوع الأوّل: رَجُلٌ يَحمل صُورة مُشوّشة عَن المُبتعثين، حيثُ يَلتقط بالسَّماع خطُورة الابتعَاث، والنّوع الثّاني: رَجُلٌ فَاته أن يَتعلّم لُغة أُخرى، فأخذ يُحارب كُلّ مُبتعث، لأنَّه يَشعر بأنَّ المُبتعث سيَتفوّق عَليه حين يَعود، أمَّا النّوع الثَّالث –وهو أسوأهم- فهو رَجُلٌ يُحارب الابتعَاث عَلى المَلأ، ويُحذِّر النَّاس مِن ابتعَاث أبنَائهم، ولَكنَّه في السِّر يُرسل أولاده ليَدرسوا في الخَارج، ونَماذج هَذا النّوع كَثيرة، يَعرفها القَاصي والدَّاني..!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *