التصنيفات
المقالات

تركي الدخيل يسلخ مقالاً نشره العرفج قبــــــــــــــل سنوات 2

يا بُني العِبرة لَيست بِالمَلابس والأزياء، وإنّما بالوَعي والاطّلاع، والدّراسة والاستقصاء، وكُلّما اهتم الإنسان بِمَظهره كُلّما كَان يُعاني من نقص في مَخبره وجَوهره! أليس شَاعركم هو القَائل: ليسَ الجَمالُ بِأثوابٍ تُزيّنُنَا إنّ الجمالَ جَمَالُ العِلمِ والأدب»! ولعلّ أبرز صِفَات الإمام قُوقل أنّه غير مُبرمج، لأنّه لَم يتَلقَ العِلم على يَد وَالده، أو مُعلم الحي، أو […]

يا بُني العِبرة لَيست بِالمَلابس والأزياء، وإنّما بالوَعي والاطّلاع، والدّراسة والاستقصاء، وكُلّما اهتم الإنسان بِمَظهره كُلّما كَان يُعاني من نقص في مَخبره وجَوهره! أليس شَاعركم هو القَائل:
ليسَ الجَمالُ بِأثوابٍ تُزيّنُنَا
إنّ الجمالَ جَمَالُ العِلمِ والأدب»!
ولعلّ أبرز صِفَات الإمام قُوقل أنّه غير مُبرمج، لأنّه لَم يتَلقَ العِلم على يَد وَالده، أو مُعلم الحي، أو شَيخ الطَريقة، أو كَاهن الكَنيسة.. بل كَان يَنثُر العِلم ويَستفيد مِنه مَع إدرَاكه التَّام أن الحقيقة مَفهوم مُتعالٍ، لا يَملكها أحد، ومن زَعم أنّه يَملك الحَقيقة فَقد جاء بِبُهتان عَظيم!
وللإمام قُوقل صِفات ومَحاسِن، ومَعالِم ومَناقِب، ومِن هَذه المَنَاقِب أنّه يَثق بطُلابه بحيث يَعرض عَلى أحدهم المَادة، ويَتركه يُفكّر ويقدر، ويَختَار ويُعبّر، الأمر الذي يَجعلَك تَحتار في تَصنيف هذا الإمام، ومَعرفة مَذهَبه السّياسي وحِزبه الأدَبي، وتَوجهه الدّيني.
ولا يَقدُر الإمام قُوقل حَق قَدره إلاَّ حِزب «السّلام الأخضر» أولَئِك القَوم الذين يُحاربون الاعتداء على الطبيعة، وقَطع الأشجار، لأنّ الإمام لا يُؤمن بِنَظرية العَرب القَائلة: «كُل عِلم لَيس في القِرطَاس ضَاع»!
وأتذكّر أنّني قُلت للإمام إنّنا دَرسنا في مَدارسنا التقليدية قَاعدة الكِتَابة من خِلال نَظرية «التسجيل» القائلة على لسان الشافعي:
العلمُ صيدٌ، والكتابةُ قَيده
قَيّد صُيودَك بالحِبال الوَاثِقه!
فَمِن الحَمَاقةِ أن تَصيدَ غَزالةً
وتَترُكها بين الخَلائِق طَالِقة!
عِندما ذَكرتُ للإمام هَذين البيتين قَال: هذا بُهتانٌ عَظيم، إلاَّ إذا كَان المُراد الكِتابة على سَبيل الشُّمول، ولَيس الكِتابة على الوَرق فقط.. فَكَما تَرى –والكلام للإمام– فَقد قيّدتُ كُل العُلوم دون الاعتداء على أي وَرقة بَيضاء، أو صَفراء، أو خَضراء.. وسَامح الله مَن يَكتبون بالحِبر الأصفر، إذ مَازَالوا تقليديين يُفكرون بِعَقلية «الحِبرِ، والوَرقةِ، والقَلمِ»!
عِند هذا المُنعطف النّقدي الذي تلقيته من الإمام، بَلعتُ «المَحشّ» من الإمام، وقلتُ في نفسي هَذه نتيجة إهمال العلاقة بَين «الفِكر واللُغة»، إذ مَازلنا نَعيش بِمَنطق: «الكِتابة التي تَلي الكِتابة في العَصر الحَجري».
لَم يَكُن الإمام هَادئًا عِندَما جَاءت قَضية «الاعتداء عَلى الطّبيعة» بل استشاط وغَضب، وكَان مُتكئًا فَجَلس، وذَكر أبياتًا مُحوّرة من قَصيدة لِشَاعر النّيل حَافظ إبراهيم، قَال فِيها وَاصِفًا مَنهجه وفِكره، وطُموحه وحُدود عِلمه:
وسعتُ عُلوم الكَون مِن كُل صُورة
وما ضِقتُ مِن فَن بِها وَصفات
فكيف أضيقُ اليومَ عن حِفظ كلْمةٍ
وتنسيقِ «أشكالٍ» على الشبكات
إنّني يا أحمد كَما تَرى، «عِلمي في شاشتي»، و«جُمجمتي، وثَقافتي في فَضائي وشَبكتي»، إنّني إلى حد بَعيد أُشبه شَاعركم الفَقِيه الشّافعي عندما قال واصِفًا عِلمه:
عِلمي مَعي أينما يَمّمت يتبعني
صدري وِعاءٌ لَه لا بطنُ صندوق
إنّ كُنتُ في البَيتِ، كَان العِلمُ فيه مَعي
أو كُنتُ في السُّوقِ، كَان العِلمُ في السُّوقِ
يا قوم.. هَذا هو الإمام قُوقل.. العَالِم الجَليل، والشَّيخ السَّمح الجَميل، الذي تَعجز النّساء أن تَلد مِثله.
لقد ودّعته، وهو كبير في نَظر نَفسه، «عَجيبٌ في عُيون العَجائب»، وودّعني وهو يُردّد مُفتخرًا بِنفسه وفعله:
وهَذي عَطاءَاتي، فَجئني بِمثلها
إذا جَمَعَتْنا.. يا صَديقُ، المَعارفُ!
ودّعته، قائلاً: صَدقت أيُّها الإمام، وفِي مِثل فعلك فليتَنَافس المُتنافسون!.
صحيفة الوطن السعودية
الثلاثاء 7 رجب 1430 ـ 30 يونيو 2009 العدد 3196 ـ السنة التاسعة
مناقب الشيخ «قوقل» حفظه الله
تركي الدخيل
كان الباحث في السابق، إذا أراد معرفة عدد سكان تايلاند، أو جزر القمر، أو جيبوتي يذهب إلى مقررات الجغرافيا، مع أن هذه المقررات بقيت تتحدّث عن يمنين أحدهما شمالي والآخر جنوبي، ربما تأكيدًا على أن هناك مَن سيطالب بالانفصال بعد نحو عقدين على الوحدة اليمنية.
كان إذا أراد أن يبحث عن صحة حديث، أو عن تعريف بسياسي، أو عن تاريخ ميلاد، يتصفّح الكتب والمجلدات والموسوعات، لكن الشيخ «قوقل» أنهى تلك المآسي التي تتكرر للباحث يوميًّا، بإمكان الإنسان الآن وبسهولة معرفة خلاصات عن دولة أو مدينة بسرعة، هذا فضلاً عن خدمة قوقل إيرث، والخدمات الصورية والخرائط، ولا تسأل عن إيميل «قوقل» المسمّى بـالـ gmail.
تقول موسوعة «ويكيبيديا» في التعريف بسيرة «قوقل» وظروف ولادته إنه كان عبارة عن مشروع لطالبي الدكتوراة في جامعة ستانفورد الأمريكية «لاري بايج» و«سرغي برين» عام 1998 تخيّلوا يعني عبارة عن «بحث أكاديمي»! سأغلق فمي لن أتحدث ولن آتي بنماذج لعناوين بحوث البعض الأكاديمية.
يتتلمذ على الشيخ «قوقل» الآن يوميًّا حوالى 200 مليون باحث –على الأقل- من أنحاء العالم، لكن ما هي مميزات التتلمذ على الشيخ «قوقل»:
1-أنه لا يمنّ عليك بعد أن يعطيك المعلومة، وليس ضروريًّا أن تكتب في سيرتك الشخصية أنك تتلمذت على «قوقل» ست سنوات، أو عشر سنوات، فهو لا يأبه لهذه التفاصيل، يعطيك المعلومة بكل شموخ ويقدم لك الخيارات، وحينما تخطئ في تقديم حرف، أو تأخيره في كلمة البحث يصحح لك الخطأ بكل تهذيب، فإذا كتبت في خانة البحث «جريدة الون» سيقول لك بخط أحمر لطيف في الأعلى «هل تقصد: جريدة الوطن»؟ بكل تهذيب من دون استخدام العصا والعقاب، والشماتة أو عقد الحاجبين.
2- الشيخ «قوقل» -أمد الله في عمره- لا ينتمي إلى أي تيار، إن بحثت عن الشيوعية جاء لك برأسها ترجمةً، وسيرةً، وفكرةً، وإن بحثت عن الإسلام كذلك، وإن بحثت عن اليهودية والعلمانية والكنفشيوسية والبوذية فسيقدم لك المعلومة، ولن يتحكم بتفكيريك.
قال أبو عبدالله غفر الله له: «قوقل» ليس شيخًا ديكتاتوريًّا يريد أن يملي عليك آراءه الشخصية، مع أن هناك محاولات لتغيير هوية «قوقل» لأن يكون عربيًّا، أذكركم هنا بتصريح رئيس المجمع الجزائري للغة العربية عبدالرحمن حاج صالح حينما تحدّث عن استكمال إنجاز مؤسسة الذخيرة العربية، وهي الهيئة المشرفة على مشروع الإنترنت العربي، أو «قوقل» العرب.
صحيفة الوطن السعودية
الأربعاء 8 رجب 1430 ـ 1 يوليو 2009 العدد 3197 ـ السنة التاسعة
جيم .. نون .. سين!
تركي الدخيل
والشيخ «قوقل» -حفظه الله- يفضح بعض «ناس»، فإذا دخلت في «قوقل» عن طريق دولة أخرى فإن الخيارات الأكثر بحثًا لن تكون خيارات فاضحة، كما هو حال خيارات «قوقل»، حق «بعض ناس»، ستكون خيارات طبيعية.
أمّا في «قوقل» «بعض ناس» تجد أن أول الخيارات التي تفقأ بؤبؤ عينك خيارات مخجلة ومخزية، ما إن تأتي بحسن نية إلى لوحة مفاتيحك، وتبحث عن معلومة تبدأ بكلمة «جنـ» إمّا باحثًا عن معلومات عن «جنوب إفريقيا»، أو «جند الشام»، أو عن «الجانجاويد» في السودان، أو عن «جنيف» إلاَّ وتخجل أن تكون أكثر الكلمات بحثًا هي الكلمات التي تبدأ بحرفين هما حرف جيم «ما»، ونون «ما» عند «قوقل» بعض ناس.
قلت: وهذا من شفافية الشيخ قوقل الذي لا يحابي ولا يجامل، يفضح كل مَن سوّلت له نفسه، وبحث بطرق غير مشروعة عن مواقع غير مشروعة، المشكلة أن الشيخ قوقل يعلم جيدًا أننا أكثر المجتمعات مزايدةً على الأخلاق، والصلاة، والشرف، وأكثر مكان في العالم وزعت فيه مطويات التحذير من المواقع المخلة بالآداب، ولدينا مدينة كاملة عملها الرئيسي حجب المواقع، يعني أن لدينا كل إمكانات أن نكون أقل دول العالم بحثًا عن الكلمات التي تبدأ بالجيم والنون، لكنْ لله في خلقه شؤون، ولن تجد من بين الـ«بعض ناس» أحدًا يعترف أنه جزء من مشكلة التفسّخ التي فضحها قوقل. أحد الزملاء أدركه جوع في هزيع من الليل، وأراد طبخ كبسة ناجزة عبر «الكاتم»، فبحث في قوقل عن «طرق طبخ المعكرونة»، فما إن أدخل كلمة «طرق» إلاَّ و طلعت له خيارات «طرق الجـ» و «طـرق تكبيـ» ولم يجد طريقة الطبخ إلاَّ بعد أن ضغط بالسبابة على زر enter.
قال أبو عبدالله غفر الله له: الشفافية التي يتمتع بها مربع البحث في «قوقل» لم تعجب البعض مغلّبًا مبدأ الستر على مبدأ الفضح، من غير المعقول أن يبدأ الطفل الصغير في استخدام «قوقل» باحثًا عن معلومات تتعلق بكلمة من الكلمات البريئة ثم تبدأ خيارات المجتمع الأكثر استخدامًا أمامه، ينضم حينها لحالة «الازدواج» الضريبي النفسي والسلوكي أن يكون في غرفته شيء، وفي صالون المنزل شخص بريء وديع.
سألت الشيخ قوقل أي الكلمات أكثر بحثًا في «قوقلنا» فأنشد:
في فمي يا «بعض ناس» ماء كثير
كيف يشكو مَن كان في فيه ماء؟

تعليق واحد على “تركي الدخيل يسلخ مقالاً نشره العرفج قبــــــــــــــل سنوات 2”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *