التصنيفات
المقالات

هَذا مُرادِي في كَشف سَرِقَة بِلادي بِلادي ..!

هُناك عَادة جَميلة أُمَارسها في رَمضان، وهي تَكثيف القِرَاءة في سِيَر المُبدعين والمُتميّزين، مِن الفُقهاء والشُّعراء والأدبَاء، وكَان هَذا الرَّمضان مِن نَصيب أديب الفُقهاء، وفَقيه الأُدبَاء شَيخنا «علي الطنطاوي» -يَرحمه الله-، كُنتُ أقرَأ مَا يَرويه عَن نَفسه، فصُعقت عِندَما اكتَشفت أن أشهَر نَشيد وَطني «مَسروق اللحن»، إنَّه نَشيد: «بِلادي بِلادي مَنار الهُدى».. ومِن الغَريب أن الذي كَشَف السَّرقة هو الشَّيخ الفَقيه «علي الطنطاوي»، حَيث يَقول بالحَرف الوَاحد: (ولمّا تَكلَّمت في الرَّائي عَن نَشيد: «بِلادي بِلادي مَنار الهُدى»، وقُلت: إنَّ لَحنه قَديم أحفَظه مِن صغري، وأنا أؤكِّد ذَلك هُنا تَأكيدًا جَازمًا، تَعجّب النَّاس منِّي، مِن أين لشَيخ مِثلي المَعرفة بالألحَان؟! مَعرفتي بِها مِن حِفظي أوّلاً للأنَاشيد التركيّة، وأناشيد هَذا العَهد الذي أتحدَّث عَنه، والثَّالثة أنَّ مُعلِّمينا مِن المَشايخ كَانوا يَأخذون كُلّ لَحن يَسمعونه، ولَو كَان لأُغنية غَرام مُبتَذَلَة، فيُؤلِّفون كَلامًا سَخيفًا يَزعمون أنَّه في مَدح الرَّسول -صلَّى الله عَليه وسلَّم- ويُنزلونه عَلى اللحن).. إلى أن يَقول الشّيخ «الطنطاوي»: (ونَشيد بِلادي «السّعودي» نُظم مُعارضة لنَشيد الرَّافعي:

بِلادي بِلادي هَواكِ دَمي

جَعلتُ حَياتي فِدَى فاعلَمي

غَرامُكِ أوّلُ مَا في الفُؤاد

وذِكركِ آخرُ مَا في فَمي

ولَحنه جَاء مِن هُنا مَشوبًا بشَيءٍ مِن لَحن القَصيدة؛ التي كَانت تُغنِّيها «أم كلثوم»: «مِصر التي في خَاطري وفي فَمي»، لا مِن نَشيد «سيّد درويش»: «بِلادي بِلادي بِلادي.. لَكِ حُبِّي وفُؤادي»)..!

أمَّا عَن خِبرته في المُوسيقى فيَقول «الطنطاوي»: (عَلّمونا في المَدرسة «النّوتة المُوسيقيّة» مُفصّلة غَاية التَّفصيل، وإن كُنتُ لَم أمسك بيَدي آلة مُوسيقيّة، فَضلاً عَن العَزف عَليها، وإنَّما هو عِلم نَظري بِها. كَما أعرف «نَظريًّا أيضًا» المَقامَات والأنغَام العَربيّة، وأنوَاع الضروب والإيقَاعات، عَلى مَبدأ «تعلَّم السِّحر ولا تَعمل به»)..!

هَذا مَا قَاله شَيخنا «علي الطنطاوي» يَرحمه الله رَحمة وَاسعة، وأدخَله فَسيح جَنَّاته..!

أمَّا لَحن النُّسخة السّعوديّة مِن نَشيد «بِلادي بِلادي»، فيَقول عَنه مُلحّنه ومُغنِّيه الأستاذ «سراج عمر» مَا يَلي: (أنا أعتبر الأستاذ «سعيد فياض» -كَاتب النَّص- كَان صَادقًا فِيمَا كَتبه، والصِّدق في التَّعبير عَن الوَطن «إحسَاس»، وأنا قَابلتُ كَاتب هَذا النَّص لأوّل مَرَّة في مَكتب سمو الأمير الشَّاعر «محمد العبدالله الفيصل» في (البَلد) بجدّة عَام 1395هـ، وكُنتُ في تلك اللحظة أتحدَّث مَع الأمير «محمد العبدالله»؛ عَن تَعاون بَيني وبَينه، يَخصُّ الفَنَّان «عبدالحليم حافظ»، وكَان الأستاذ «فياض» مَوجودًا وقَال لي: (يا ابني أنا لَديَّ نَص وَطني يَصلح أن يَكون أُغنية، وعِندي إحسَاس أنَّها إذَا غُنِّيَت سيَكون لَها شَأن، وذَهب لإحضَارها، وأعطَاني إيَّاها، وفي تلك الفَترة وأثنَاء مَا كَان النَّص مَعي؛ توفي المَغفور لَه جَلالة الملك «فيصل» -يَرحمه الله-، وفي تلك الحَالة السيّئة التي كُنتُ بِها بَعد وَفاة «الفيصل»، فَرَّغت كُلّ مَا لَديَّ مِن أحاسِيس فِيما لَديَّ مِن نصُوص وَطنيّة، وكَان مِن ضمنها ذَلك النَّص، الذي أُذيع بَعد ذَلك لمَرَّة وَاحدة في مُناسبة اليوم الوَطني، ثُمَّ أصبَح يُعرض ويُذاع باستمرَار، وتَفاعَل مَعه الجمهور كَثيرًا)..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي القَول: إنَّ الإنسَان ليَتعجَّب مِن فُقهاء الأمس، وخَاصَّة في الأقطَار العَربيّة، كَيف كَانوا أصحَاب عِلم غَزير في الشَّريعة والعَقيدة، كَما أنَّهم عَلى اطّلاع شَاسع في الأدَب والشِّعر والنّوتة المُوسيقيّة.. وهَذا المَقال لا يَقصد إلاَّ البَحث عَن الحَقيقة، مُراعاة للأمَانة العِلميّة، فهَذا المُتَّهِم عَالمٌ فَاضل تَوفَّاه الله، أمَّا المُتَّهَم فهو رَجُلٌ مُبدع، حيٌّ بَيننا، ومِن المُمكن أن يُدافع عَن نَفسه، ويَكشف لَنا مُلابسات التَّماثُل بين اللحنين..!!

التصنيفات
المقالات

رَحِم الله أُختي طُرفة..!

في جَريدة الجَزيرة ليَوم الخَميس المُوافق 10/10/1432هـ وَرد الإعلان التَّالي: (يَنعى صالح بن عبدالله الأحمد وَالدة زَوجته «طُرفة بنت عبدالرحمن بن حسين العرفج»، وَالدة فهد البديوي -رَحمهما الله-، التي تُوفّيت فَجر أمس الأربعاء بمَكَّة المُكرَّمة.. رَحم الله الفَقيدة، وأسكنها فَسيح جَناته، فقَد كَانت مِثالاً يُحتذى بفِعل الخَير، وبَذْل المَعروف والصَّدقات؛ تَجاه مَن تَعرف ومَن لا تَعرف، فهي أُم للفُقراء والمَساكين، وبالذَّات دَاخل الحَرم المَكّي الشَّريف، طِيلة أربعين عَامًا، عَزاؤنا لأنفسنا أوّلاً ثُمَّ لأولادها وبَناتها «محمد، عبدالعزيز، د. إبراهيم، يوسف»، ومَعارفها وكَافّة أُسرتها.. «إنَّا لله وإنَّا إليه رَاجعون»)، انتَهى..!
فعلاً.. إنَّا لله وإنّا إليه رَاجعون، لقد تُوفّيت أُختي «طُرفة» عَن عُمر يَتجاوز السَّبعين، بَعد أن أكمَلَتْ رَمضان، وصَامَتْ السّت مِن شَوّال، وعَملَتْ في دُنياها مَا ستَجده في آخرتها..!
لقد كَانت صَاحبة يَد رَطبة، تُساعد الفُقراء، وتُدعم المُعسرين، وتُطعم المَساكين، وتَفعل كُلّ قَولٍ وعَمل يُقرِّبها مِن رَب العَالمين..!
لقد رَحلت أُختي، وهي سيّدة مِن عَامّة النَّاس، لا يَعرفها الإعلام، ولا تَرغب هي بهِ، ولَكن يَعرفها فُقراء الحَرَم والبُسطاء، ممَّن جَاور البيت العَتيق وهَذا يَكفي..!
فعِندَما ذَهبنا لنُوريها الثّرى؛ بَدت المَقبرة وكَأنَّها مَوج بَشري مُتلاطم مِن أقَاربها ومُحبّيها، وهُم بالمِئات، كَما كَانت هُناك كُتل بَشرية مِن فُقراء آسيا وإفريقيا، يَملأون المَكان، ومَا ذَاك إلا لأياديها البَيضاء عَلى فُقراء الحَرم، الذين تَعهَّدتهم بالطَّعام والشَّراب لأكثر مِن أربعين سَنة -كَما جَاء في الإعلان-، لقد رَحلت أُختي الكُبرى -رَحمها الله- والتي كَانت أكبر مِن أُمِّي -قَمّصها الله ثِيَاب العَافية- في السِّن، لذلك عِندَما رَأيتُ جَسدها الطَّاهِر أثنَاء إدخَاله القَبر، تَدَحْرَجَتْ مِن عَيني دَمعة، لأنّي فَقدت أُمِّي الثَّانية..!
أتذكَّر أنَّني عِندَما كُنتُ طفلاً أزور مَكَّة مَع أُسرتي، كَانت هي الوَحيدة مِن أقَاربنا التي تُوزّع الحَلوى للأطفَال والنّقود أيضًا، لذلك حَفَرَتْ اسمها في ذَاكرة الكَرَم وسجلات العَطَاء..!
لقد صَلّينا عَليها عَصرًا، وبَعد صَلاة المَغرب كَان الشّيخ «عبدالرحمن العجلان» العَالِم المُحدّث في الحَرم المَكِّي يَدعو لَها في آخر دَرسه، مُذكِّرًا أُهيل الحَرَم والمُصلِّين فيهِ بمَآثر تلك السيّدة، طَالبًا مِنهم الدُّعاء لَها بالمَغفرة والرَّحمة، والثَّبات عِند السُّؤال.. رَحمك الله يَا أُختَاه رَحمةً وَاسعة..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي..؟!
بَقي القَول: إنَّ العَرَب رَغم أنَّهم يَدّعون العَواطف والأحَاسيس والمَشاعر، إلاَّ أنَّهم يَتحرّجون مِن البَوح بِها أو إظهَارها؛ إذَا كَانت تَخص أهلهم وذويهم، لذَلك لا نَجد إلاَّ الشَّاعرة «الخنساء» التي رَثَت أخَاها «صَخرًا»، كَما نَجد الشَّاعرة «فدوى طوقان» رَثَت أخَاها «إبراهيم طوقان»، كَما أن «جَرير» رَثَى زَوجته ونَفرٌ قَليل..!
ومِن الغَريب أنَّ الشُّعراء يَبكون الدّيار والأطلال والأحجَار، ومَع ذَلك يَتحرّجون من رثَاء أخوَاتهم أو زَوجاتهم أو أولادهم، لذَلك هَا أنَا أرثي أكبَر أخوَاتي، وأبكِي عَليها كَما يَبكي الأطفَال، ولا أقول إلَّا مَا يُرضي الله، بَعد أن رَحَلَت مَن كُنَّا نُسمِّيها (أُم الفُقراء والمَساكين)، لله مَا أعطَى، ولله مَا أخذ.. (إنَّا لله وإنَّا إليه رَاجعون)..!!

التصنيفات
المقالات

أسئلة الجموع في حَضرة الجوع ..!

الجوع حَالة مِن الفَراغ الغِذَائي، تَستوجب الانطلاق إلى مَناطق الوَفرة الطَّعاميّة، ولَعلَّ المَثَل الأعجَمي المَشهور القَائل: (أنَا أعرف مَا أقول عِندَما أطلب الخُبز)، يُعبِّر عَن حَالة الجَائع الذي يَرى في مَنامهِ أنَّه يَسير في سوق المَخابز..!
إنَّ الجوع كَافر، لأنَّه يُخرج المَرء عن طوره، وقَد قِيل: (كَاد الفَقر أن يَكون كُفراً)، هكَذا تَقول أدبيّات العَرب، أمَّا العَجَم فيَقولون: (A hungry man is an angry man)، بمعنَى: (الرَّجُل الجَوعَان رَجُل غَضبَان). وعلّة نَقص الغِذَاء، تُشعل البطون وتُعطِّل العقُول، والطَّعام صَديق يَعرفه النَّاس -كُلّ النَّاس- ومِنهم ذَلك الطّفيلي الأعرَابي الذي دَخَل عَلى مَائدة أعرَاب مِثله، فقَالوا لَه: هَل تَعرف مِنَّا أحداً..؟! فأجَابهم: أعرف هَذا، وأشَار إلى الطَّعام..!
والجَائِع مُتهافت بسَبب جوعه، لا يَفحص المَرق، ولا يُدقِّق في مُكوّناته، لأنَّ المَسافة بين اللقمة والفَم، اختَصَرها الجوع إلى «مَسافة السِّكة» -كَما يَقول إخوَاننا في مِصر-..!
والطَّعام سيّد، لَه الحُكم وأحقيّة التَّوجيه، لذَا قَال شَاعرهم «إلياس قنصل»:
كُلُّ فَوْضَى تَحَمَّلَ النَّاسُ مِنْهَا
بَاهِظَ الشَّرِّ أَصْلُهَا جَوْعَانُ!
والطَّعام وَجبة لَذيذة، ومَائدة شَهيّة، تُغري عَلى الكَذِب والاحتيَال، خُذ مَثلاً ذَلك الأعرَابي الصّعلوك، الذي سَاقوه إلى الخَليفة؛ بَعد أن سَرَق كيس دَقيق، فمَا كَان مِنه إلَّا أن استعد لأدَاء القَسَم بعَدم السَّرقة، لأنَّه لا يَخشى عَواقب اليَمين، وإذَا ضَربوه فإنَّ الأمر يَختلف، لذا قَال:
فَإِنْ يَضْرِبُونِي جِئْتُهُمْ بِدَقِيقِهِمْ
وَإِنْ حَلَّفُونِي فَانْخلِي يَا أُمَّ عَامِرِ!
فالحَلف سيَعقبه أمر للحَاجة «أم عامر» بإحضَار المَنخل لنَخل الدَّقيق، والله يَغفر الذّنوب لمَن يَشاء، لذَا قَال بَعضهم: (إنَّ الخُبز الكَافي والثَّوب الوَافي، والبَيت الدَّافئ تُغني عَن ألف يَمين)..!
والحَيَاة الكَريمة -في عُرف البَعض- تَستنكف أن تَكون مُنقادة للرّغيف أو أسيرة لَه، وقَد قَال المَسيح -عَليه السَّلام-: (لَيس بالخُبز وَحده يَحيا الإنسَان) ومِن بَعده قَال شَاعرهم «إلياس قنصل»:
وَمَا مَعْنَى الكَرَامَةِ وَالمَعَالِي
إِذَا عِشْنَا عَبِيداً لِلرّغِيفِ!
ونَقص الرّغيف يُؤدِّي إلى الجوع، والجوع يُغري أسود الغَاب بالجيف، كَما يَقول شَاعرهم المُتنبِّي، واستمرَار الجوع يَطرح الأسئلة تلو الأسئلة عِند شَاعرهم البردوني إذ يَقول:
لِمَاذا لِيَ الجوْعُ وَالقَمْحُ لَكْ
يُنَاشِدُنِي الجوعُ أَنْ أَسْأَلَكْ
فَفِي أَضْلُعِي فِي دَمِي غَضْبَة
إِذَا عَصَفْتْ أَطْفَأْتْ مِشْعَلَكْ
غَداً سَوْفَ تَلْعَنُكَ الذِّكْرِيَاتُ
وَيَلْعَنُ مَاضِيكَ مُسْتَقْبَلَكْ!
حَسناً.. مَاذا بَقي..؟!
بَقي القَول: يَا قَوم.. إنَّ الجوع فتنَة، لذا رَدّدوا مَعي هَذا الدُّعاء: اللهمَّ أطعمنا مِن جُوعٍ، وآمنّا مِن خَوف..!!!

 

التصنيفات
المقالات

زيَادة الجُرعة في مَفهوم السُّرعة ..!

تَسير في الطَّريق، فتَرَى مَطعم السَّعادة للوَجبات السَّريعة.. وتَذهب إلى مَغسلة المَلابس، فتَجدها للخَدمات السَّريعة.. مَحل التَّصوير يَقول لَك: الصّورة خِلال دَقائق.. تَسلك في ذهَابك وإيَابك الطُّرق السَّريعة.. تُجري عمليّة بالليزر «بسُرعة» خِلال يَوم وَاحد.. تَسمع أُغنية تَجد مَقاماتها عَلى النَّغمة الشَّبابية السَّريعة.. تَطلب أغرَاضك فتَصلك عَبر التَّوصيل السَّريع.. تُرسل البَريد عَبر البَريد المُمتاز السَّريع.. تُرسل أموَالك عَن طَريق التَّحويل السَّريع «اكسبرس».. تَطلب الرِّبح مَارًّا بالثَّراء السَّريع..!

تُفكِّر بسُرعة.. تَأكل بنَفس السُّرعة.. تَنام عَلى جمرة العجلة.. لتُصبح الحيَاة في النّهاية «سَلق بيض»..!

أمَّا النِّساء اللائي -كُنَّ- مَاكِثَات في المَطبخ، كَان لَديهنّ «القِدر الكَاتِم» لإنضَاج الطَّعام في غضُون دَقائق.. وفي المَكتبة يُوجد كِتَاب: «تَعلَّم الإنجليزيّة في أسبوع»، وفي البُلدان النَّامية هُناك سِبَاق أرَانب، مُتمثّلًا في زيادة نموّ السُّكان بطَريقة مُذهلة تَتّخذ السُّرعة مَركبًا، وحَسبك أن يَكون في كُلِّ دَقيقة مَولود، ومِصر أكبَر مُمارس لهَذا السِّباق..!

وفي التِّجارة ذَهَبَت الدِّراسات العَميقة للنَّجاح التُّجاري المبنيّة عَلى المُقدّمات والنّتائج، واتّجه القَوم إلى اللهث خَلف الثَّراء السَريع المُتمثِّل في: المُسَابقات والفَوازير والحظُوظ مِن بَوّابة مَن سيَربح المليون.. إلى وَزنك ذَهب.. إلى كَلام مِن ذَهب.. حتَّى تَصل لسبَاق المُشاهدين.. في تَعطيلٍ وَاضح لمَلكَات الإنسَان الحيويّة والنَّشطة..!

أمّا مَا يَخص المُستقبل فقد رَكض النَّاس -رجَالًا ونسَاءً- خَلف تَفسير الأحلام، وركُوب الأمَاني، وانتظَار الحظُوظ التي تَجلب الرّزق السَّريع..!

لَستُ في هَذا الاتّجاه أُحارب المرُونة، أو أرفض السُّرعة، بل هي ضَرورة مِن ضَرورَات العَصر، والقَول بغَير ذَلك هو تَجميد للزَّمان في حُفرة صَغيرة..!

في السّياق الثَّقافي تَدخل السُّرعة كعُنصر مُهم في مَمرَّات الحَياة.. هل أُذكِّر القُرَّاء بقَول «يَوليوس قَيصر» عِندَما قَال: (مَا نَفعله بسُرعة لا نَفعله بإتقان).. أو أُذكّرهم بقَول «سوشيه» عِندَما قَال: (بقَدر مَا نُسرع نَصل مُتأخّرين)..!

ومِن العَجيب أنَّنا لا نَرى كُلّ هذه السُّرعة، وذَاك الجنُون، نَعم لا نَراهما في حَياتنا، وإنَّما عيوننا مَفتوحة عَلى ذَمِّ أهل الغَرب ومَا حَولهم، بأنَّهم مَاديّون، يَلهثون ورَاء الحيَاة الدُّنيا، نَصفهم بكُل وَصف يَليق بالحيوان، في مُحاولة رَديئة لرَسم صورة عَن عَالَمنا العَربي بأنَّه عَالَم المُثُل، وأنَّنا «بسم الله ما شَاء الله عَلينا»، نَبتغي الآخرة وعَملنا عَملها، وتَركنا الدُّنيا خَلف ظهُورنا..!

آه.. لَيتنا نَتوقَّف لنُحاسب أنفُسنا ونَسير «ببطء»، مُتذكّرين حِكمة دَرسناها في سَنة أولَى ابتدَائي تَقول: (في التأنِّي السَّلامة وفي العجلَة النَّدامَة)..!

هَذه صَفحة «سَريعة» أمَام القَارئ تَفتح بَياضها لتَقول شَيئًا، وقَد غَابت بفعل «السُّرعة» أشياءٌ كَثيرة.. يا حَسرة عَلينا، حتَّى المَقَالات صَارت تُسلق كسَلق البيض..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي..؟!

بَقي القَول: استمعوا إلى شَاعر حَكيم قَال في بَيت شِعري عَابر:

إذَا كُنتَ ذَا رَأي.. فكُن ذَا تَدبّر

فإنَّ فَسَاد الرَّأي أنْ تَتعجّلا!!

التصنيفات
المقالات

ظهور الكُحَّة في جُملة “لا أسَاس لَه مِن الصحّة” ..!

حتَّى تَستقيم الأمور في نصَابها الفِكري، يَجب الاعترَاف بأنَّ اللغة والألفَاظ هي صورة الفِكر في الرَّأس والذّهن.. مِن هنا تَظهر خطُورة اللغة بوَصفها النَّاقل للفِكر، ورَحابة الدِّقة في الكَلِمَة تَدل عَلى رَحابة الفِكرة في الذِّهن، وضَبابيّة الكَلِمَات تَعكس ضَبابيّة الفِكرة في الجُمجمة، وعَلى ذَلك «قِسْ»..!

خُذ مَثلاً: عبَارة «لا مَانع مِن تَوفير حمَّامات للمَسجد الفُلاني»، فجُملة «لا مَانع» التي كَرَّستها «اللغة الإداريّة»، تَعكس حَالة التَّحريم التي تَسكن الذّهنيّة العربيّة، وهي حَالة تَشرح مَدى تَوغُّل الفِكرة القَائلة: (إنَّ الأصل في الأشياء التَّحريم، إلَّا مَا ثَبت حلّه)..!

خُذ عِبارة: «لا أسَاس لَه مِن الصحّة»، مِثل هَذه العبَارة تَعكس تَرهُّل التَّرجمة، إذ يُمكن أن تَكون الأشياء الصَّحيحة هُناك عَلى قسمين:

1- قسم صَحيح ولَيس لَه أسَاس، أي «تُراث أو سَند أو عُمق أو جذر»..!

2- قسم صَحيح ولَه أسَاس، ولَه «مَا لَم يَتوفَّر في القسم الأوّل»..!

ويُمكن تَبسيط الأمر بالمِثال التَّالي: حَضارة اليَابان حَضارة صَحيحة، ولكن لَيس لَها أسَاس، بينما الحَضارة المصريّة حَضارة صَحيحة، ولَها أسَاس تَاريخي، وعَلى القَارئ الفطن استنتَاج أيّ الحَضارتين أصحّ الآن، ليَعلم كَم المَسافة بَين الصَّحيح بأسَاس والصَّحيح مِن غَيره..!

خُذ مَثلاً ثَالثاً: يَقول المُتحدِّث: (هَذا إن دَلّ فإنَّما يَدلّ….)، وَاضح أنَّ العبَارة ضَحيّة تَرجمة رَديئة، إذ هي «دَخيلة»، وأتحدَّى مِن يُثبت أنَّه قَرأها في كِتَاب أُلِّف قَبل مَائة سَنة أو أكثَر..!

غَير أنَّ سِيَاق العِبارة يَدلُّ عَلى عَدم الدَّلالة، لأنَّه لا يَدلّ، وإن دَلّ فلَا مَناص مِن دَلالته عَلى الشّيء المُشار إليه، ووَاضح سقم العِبَارة، الأمر الذي يَجعل الحِبر الأصفَر بمَنأى عَن الشَّرح والإطَالة..!

خُذ مَثلاً رَابعاً: يَقول مُتحدِّث: (تَعجز الكَلِمَات عَن الوَصف)، في حِين أنَّ اللغة – أي لُغة – لَيست عَاجزة، وإنَّما العَجز يَكون في المُتحدِّث، وقَد سَأل نبيّنا مُوسى -عليه السّلام- رَبّه بأن يَحلل عُقدة مِن لسَانه ليَفقه النَّاس قَوله، ولَم يَسأله أن يُبسِّط لَه اللغة، حتَّى يَتحدَّث ويَدعو وفق بَلاغ مُبين..!

حَسناً.. مَاذا بَقي..؟!

بَقي القَول: إنَّ أكثر الأمور مَرارة، عِندَما يَتحدَّث أحدهم قَائلاً: (أنَا عَاجز عَن الشُّكر)، وخَير رَد عَلى مِثل هَذا العَجز الغَبي، مَا قَاله أحد الأعرَاب عِندَما أسدَى لأحدهم مَعروفاً، فقَال مُستقبِل المَعروف: (أنا عَاجز عَن الشُّكر)، فرَد عَليه الأعرَابي قَائلاً: (قَبّحك الله، مَا أقبح عَجزك، ألا تَستطيع أن تَقول: شُكراً، وجَزَاك الله خَيراً)..؟!!!

التصنيفات
Uncategorized

اغْلِق جوّالك واتّصل بالله ..!

اللهمَّ اجعَل لَنا مِن أمرنَا يُسراً، فقَد كَثُر التَّعب وتَكاثَر الوَصْب، ولَيس لَنا إلَّا أنتَ، يَا مَن تُجيب الدَّاعي، وتَردُّ عَنَّا شَرّ الأشرَار والأفَاعي..!
مِن هُنا، مِن مَطار أسطَانبول أكتُب هَذا المَقال، حيثُ لَم يتوفَّر لِي مَقعد عَلى مَتن «خطُوطنا السّعودية» نَظراً لضَغط الحجُوزات، رَغم أنَّ لَديَّ تَذكرة دَرجة أُولى، إلَّا أنَّني بَللتها ولَم أشرَب مَاءها لأنَّنا في نَهار رَمضان، نَعم بَللتها، فالخطُوط لَيس فِيها مَكانٌ لِي, وإذا عُرف السَّبب بَطل العَجَب..!
هُنا في مَطار أسطَانبول، دَخلتُ المَسجد لأُصلِّي الفَجر، فوَجدتُ لَوحة إرشَاديّة تَقول: أخي الحَبيب، إغْلِق جوَّالك، واتّصل بالله الكَريم الأكرَم.. وهَا أنَا أُغلِق جَوّالي واتّصل بالله، وأدعُو عَلى مَن ظَلمني وسَلبني حَقِّي بوَصفي مُواطناً؛ يَستحق كُلّ مُقوّمات الحَياة.. اللهمَّ عَليك بكُلِّ مَن ظَلمني، ورَفَعَ الأسعَار مِن الشَّركات والتُّجَّار.. اللهمَّ عَليكَ بِهم فإنَّهم لا يُعجزونك.. اللهمَّ مَن أرَادنا بـ»شَرٍّ» واستغلَ ضَعفنا، فشتَّت شَمله، وضيّع عَمله، واجعل كَيده في تَدبيره، وضَياعه في تَعميره..!
اللهمَّ إنِّي وقَومي قَد مَسّنا الضُّر ولا مُعين لَنا إلَّا أنت، فهَؤلاء التُّجَّار والمُطفّفون لا رَقيب عَليهم ولا حَسيب، لِذَا نَلجأ إليك بَعد أن أُغلقت في وُجوهنا الطُّرقَات، وسُدَّت أمَامنا الاعترَاضات، وأُخرست في أفوَاهنا الكَلِمَات..!
اللهمَّ يا فَتَّاح يا عَليم، يا رَزَّاق يا كَريم، إنَّنا خَلقٌ مِن خَلقك، لا تُسلِّط عَلينا الأقويَاء ونَحنُ مِن الضُّعفَاء، وقَد وَعدتنا في كِتَابك بأن تَنصرنا عَلى المُستغلِّين؛ مِن أصحَاب الوَجاهة والمَكانة ، وكُلّ مَن هُم لَيسوا مِن الأسويَاء..!
اللهمَّ أعنّا عَلى ذِكرِك وشُكرِك، والانتقَام مِن كُلِّ مَن لا يَعرف قَدر خَلقك، وضَعف عَبدك.. اللهمَّ إنَّ بَعض الدَّوائر قَد استغلَّت ضَعفنا، ورَفعت أسعَار حَاجَاتنا، ولَيس لَنا -والله- إلَّا أنت، فقَد خَابت اللجَان، وفَشلت الحِمَايات، ولَيس لَنا إلَّا أنت يا قَاضي الحَاجَات، ومُفرِّج الكُربات، ونَاصر أصحَاب المَظلمَات..!
حَسناً.. مَاذا بَقي..؟!
بَقي القَول: يَا رَب أعنَّا عَلى أصحَاب الامتيازَات، ولا تَدعهم يَفترسوننا كَما يُفترس الضَّعيف مِن الكَائنَات..!